كيف صمد اقتصاد روسيا أمام العقوبات الغربية؟
14:25 - 11 فبراير 2026في عام شهدت فيه روسيا ضغوطا غربية مكثفة، أثبت الاقتصاد الروسي قدرته على الصمود محققًا نموًا بنسبة 1% خلال 2025، متفوقًا بذلك على أداء اقتصادَي ألمانيا وفرنسا. وارتفع الناتج المحلي الإجمالي لروسيا إلى نحو 2.5 تريليون دولار، ما جعلها تحتل المركز التاسع عالميًا بين أكبر اقتصادات العالم، متقدمة على كندا والبرازيل بثلاثة مراكز مقارنة بمستويات ما قبل الحرب في أوكرانيا.
ويعود هذا الصمود إلى مزيج من اقتصاد الحرب، والإنفاق غير المسبوق على التسلح والتجنيد، إضافة إلى التخطيط المسبق لمواجهة العقوبات، التي تجاوز عددها 26.5 ألف عقوبة، رغم التناقضات والاستثناءات التي سمحت بتجاوزها. ومع ذلك، يواجه الاقتصاد الروسي تحديات جديدة مع انخفاض أسعار الطاقة وصادرات النفط والغاز، في وقت تصل فيه احتياطياته من الذهب والعملات الأجنبية إلى 827 مليار دولار، مما يعكس قوة مالية كبيرة لكنها تواجه ضغوطًا مستقبلية محتملة.
في حديثها لبرنامج "بزنس مع لبنى" على قناة سكاي نيوز عربية، سلطت أستاذة العلاقات الدولية في معهد الاستشراق، د. علا شحود، الضوء على واقع الاقتصاد الروسي في مواجهة العقوبات الغربية، مؤكدة أن الأداء الاقتصادي لروسيا يتسم بصمود نسبي رغم الضغوط الكبيرة، لكنه لا يخلو من تحديات حقيقية أثرت على القدرة الشرائية للمواطنين ونمو الاقتصاد المحلي.
العقوبات الغربية وتأثيرها على الاقتصاد الروسي
أوضحت د. شحود أن الدول الأوروبية أخطأت في تقدير قوة الاقتصاد الروسي، مشيرة إلى أن الأسواق الروسية لا تتصرف بنفس ديناميكيات الأسواق الليبرالية الأوروبية. فالدولة الروسية تتحكم في حركة رؤوس الأموال وسعر الصرف وسعر النفط، وهو ما منح الاقتصاد الروسي صلابة نسبية رغم العقوبات. ومع ذلك، أكدت الباحثة أن العقوبات أثرت بشكل ملحوظ وكبير على الاقتصاد المحلي، لكنها لم تؤدِ إلى انهياره، فروسيا ما زالت ضمن أكبر عشرة اقتصادات في العالم.
وأضافت أن الاقتصاد الروسي يواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة جولة جديدة من العقوبات التي تستهدف السفن الروسية في مياه الأطلسي، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، إلا أن روسيا استطاعت الاستفادة جزئياً من الأسواق الآسيوية والعربية لتعويض جزء من فقدان الأسواق الغربية.
مؤشرات اقتصادية متباينة
أشارت د. شحود خلال حديثها إلى مؤشرات اقتصادية متباينة، إذ انخفضت نسبة البطالة في روسيا بنسبة 2.2% خلال العام الماضي، وتراجع معدل التضخم إلى نحو 6%، فيما ارتفعت الرواتب بنسبة 17%. ورغم تحسن سعر الصرف إلى مستويات ما قبل الحرب في 2022، فإن القدرة الشرائية للمواطن الروسي تراجعت بشكل ملحوظ، مما يعكس التباين بين المؤشرات الاقتصادية الكبرى والواقع المعيشي للمواطن.
السياسة قبل الاقتصاد: الأولويات الروسية
أكدت الباحثة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يركز حالياً على الأهداف السياسية قبل الاهتمام بالفائدة الاقتصادية، معتبرة أن المشكلات الاقتصادية يمكن تبريرها، لكن الخسائر السياسية على الصعيد العالمي غير مقبولة بالنسبة له. وذكرت أن روسيا تعتمد بشكل كبير على الإيرادات النفطية والطاقة، وهو ما يجعل الاقتصاد الروسي عرضة للضغط عند فرض العقوبات، لكنه يبقى قادراً على الصمود.
وأضافت أن روسيا لا تسعى للتصعيد مع الولايات المتحدة، مدركة أن أي مناورة عسكرية مباشرة ستكون محفوفة بالمخاطر، وهي اليوم تركز على الحفاظ على مواقعها الاقتصادية والسياسية، مستندة إلى استمرار العمليات العسكرية بحسابات استراتيجية بعيدة المدى.
الأزمة الاقتصادية الداخلية والتحديات الاجتماعية
لفتت د. شحود إلى أن الحرب المستمرة منذ أربع سنوات أرهقت الاقتصاد والمواطن الروسي على حد سواء. فرغم ارتفاع الرواتب وتراجع البطالة نسبياً، إلا أن الشركات والاستثمارات الأجنبية الغربية غادرت السوق الروسية، وما زال التضخم مرتفعاً، مما يعكس استمرار معاناة المواطنين من الضغوط الاقتصادية اليومية.
وأوضحت أن الوضع الداخلي الروسي لا يسمح بأي تغييرات جذرية أو خوض حرب جديدة، مؤكدة أن الأولوية الحالية هي بقاء الاقتصاد صامداً حتى لو لم يتحقق الازدهار الاقتصادي، معتبرة أن صمود الاقتصاد في ظل أربع سنوات من الحرب يُعد إنجازاً نسبياً.
موقف روسيا من التنازلات الدولية
أوضحت د. شحود أن روسيا ترى أي تقديم تنازل سياسي للدول الأوروبية بشأن أوكرانيا بمثابة تنازل دائم واستراتيجي. وأشارت إلى أن روسيا مستعدة للتنازل اقتصادياً، لكنها غير مستعدة للتنازل سياسياً، خشية أن يؤدي ذلك إلى مزيد من المطالب الأوروبية مستقبلاً. وأكدت أن التفاوض على طاولة مستديرة بين روسيا وأوكرانيا والدول الغربية يفتقد إلى الأفق الواضح، ما يشير إلى استمرار الحرب وتعقيد حلها على المدى القريب.
الدعم الصيني: مساعد محدود لا يحقق الازدهار
وفيما يتعلق بدور الصين، أوضحت د. شحود أن بكين قادرة على دعم الاقتصاد الروسي لإبقائه واقفاً على قدميه، عبر تزويد السوق الروسية بالمنتجات الصينية الرخيصة وفتح بعض الاستثمارات، لكنها لن تجعل الاقتصاد الروسي في مقدمة الاقتصاديات العالمية. وأكدت أن الدعم الصيني محدود لوجستياً، يبقي الاقتصاد الروسي على قيد الحياة لكنه لا يدعم ازدهاره أو تقدمه.





