الحرب تسرع الاتجاه للاستثمار في الطاقة المتجددة
11:42 - 31 مارس 2026تربك حرب إيران خارطة إمدادات الغاز، بما يدفع الدول المستوردة للبحث عن بدائل لتأمين احتياجاتها للطهي والتدفئة وتوليد الكهرباء، بينما تستعد الولايات المتحدة، كأكبر مصدر للغاز في العالم، للاستفادة من هذا الاضطراب على المدى القصير.
تدفع الأزمة الحالية الدول الأوروبية والآسيوية إلى إعادة التفكير في سياساتها الطاقوية، مع دراسة خيارات مثل الفحم والطاقة الشمسية والطاقة النووية لتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي واستباق ارتفاع الأسعار والنقص خلال الأزمات الجيوسياسية.
تكشف تلك الأحداث المتتابعة عن هشاشة أسواق الطاقة العالمية، إذ أن نحو خمس النفط العالمي وكمية كبيرة من الغاز الطبيعي تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة يؤثر بسرعة على الأسعار والإمدادات، كما ظهر بعد توقف قطر عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وتأثر مصانع الهند وكوريا الجنوبية وتايوان، وسط محاولات الدول لتأمين الطاقة من كل المصادر المتاحة.
مكاسب وخسائر
بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" فإن الولايات المتحدة ودول أخرى مصدرة للغاز قد تحقق مكاسب كبيرة، لكن اضطرابات الإمدادات من المنطقة "تدفع الدول المستوردة للغاز إلى التفكير في بدائل مثل الفحم والطاقة الشمسية والطاقة النووية".
ويضيف التقرير:
- من أوروبا الغربية إلى شرق آسيا، تبحث الدول في جميع أنحاء العالم عن الغاز الطبيعي بعد أن قطعت الحرب في إيران إمدادات الوقود من المنطقة، والتي كانت تعتمد عليها هذه الدول للطهي، وتسخين المنازل، وتوليد الكهرباء.
- ستستفيد الولايات المتحدة، بصفتها أكبر مصدر للغاز في العالم، على الأرجح من هذا الاضطراب، على الأقل على المدى القصير.
- لكن الحرب مع إيران، التي تدخل الآن شهرها الثاني، تذكر أيضاً أن استيراد الغاز ينطوي على مخاطر كبيرة قد تترك المشترين معرضين لأسعار مرتفعة ونقص خلال الأزمات الجيوسياسية.
- وهذا يشكل تحدياً كبيراً لخطط صناعة النفط والغاز لزيادة مبيعات الغاز الطبيعي، ويفتح الباب أمام بدائل مثل الطاقة المتجددة، والفحم، والطاقة النووية.
ويضيف التقرير: هذه هي المرة الثانية في السنوات الأخيرة التي تتسبب فيها الحرب بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في أجزاء كثيرة من العالم. وكان الارتفاع السابق نتيجة الحرب في أوكرانيا.
فيما لا يزال الغاز أرخص بكثير مما كان عليه قبل أربع سنوات، لكن حرب إيران لم تنته بعد.
ويقول المحللون إن الأسعار قد ترتفع بشكل كبير إذا لم تتمكن قطر، أحد أكبر مصدري الغاز في العالم، من استئناف شحنات الغاز في وقت قريب نسبياً.
إعادة التوازن لا الاستبدال
يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- من غير المرجح أن يؤدي أي نزاع واسع يشمل إيران إلى تراجع سريع في الاعتماد العالمي على الغاز الطبيعي.
- أنظمة الطاقة العالمية تقوم على بنية تحتية طويلة الأجل، وعقود ممتدة، وأصول لتوليد الطاقة، وهي عناصر يتطلب تغييرها سنوات، بل عقودًا في كثير من الأحيان.
ويشير إلى أنه في أعقاب صدمة الإمدادات عام 2022، نجح الاتحاد الأوروبي في خفض وارداته من الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بشكل حاد، واستبدل جزءًا كبيرًا منها بالغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر، إلا أن هذا التحول جاء بتكلفة أعلى نتيجة نفقات التسييل والشحن المرتبطة بالغاز المسال.
ويضيف أن السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب يتمثل في إعادة التوازن وليس الاستبدال، حيث تميل الدول التي تواجه مخاطر في الإمدادات إلى تنويع مصادرها، وتعظيم استخدام البنية الحالية للغاز، مع اللجوء المؤقت إلى أنواع وقود بديلة لضمان استقرار أنظمة الطاقة. ويلفت إلى أنه في أوروبا، ارتفع الاعتماد على الفحم بشكل مؤقت بعد تراجع الإمدادات الروسية، كما عاد الجدل في دول مثل ألمانيا حول الطاقة النووية كخيار لتعزيز موثوقية الإمدادات.
ويوضح أن أبرز المستفيدين من هذه التحولات هم مصدرو الغاز الطبيعي المسال، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وقطر وأستراليا، في ظل سعي الدول المستوردة لتأمين إمدادات مستقرة، إلى جانب مزودي الطاقة النووية مع عودة الاهتمام بها كمصدر أساسي للطاقة. كما يشير إلى أن الفحم قد يستفيد على المدى القصير كخيار احتياطي، في حين تظل الطاقات المتجددة وحلول التخزين خيارًا استراتيجيًا على المدى الطويل، ولكنها ليست بديلاً فوريًا.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الاعتماد على الغاز الطبيعي سيستمر خلال المرحلة المقبلة، مع تسارع جهود التنويع وتعزيز مرونة أنظمة الطاقة عالميًا.
فرص وتحديات
ويشير تقرير آخر لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن أزمة النفط في الشرق الأوسط قد تدفع الدول إلى الاستثمار في طاقة الرياح والطاقة الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة، لكنها قد تزيد أيضًا من الاعتماد على الفحم، الوقود الأحفوري الرخيص والملوث.
ويضيف:
- بعض الدول في أوروبا وآسيا قد تحاول تركيب المزيد من توربينات الرياح، الألواح الشمسية والبطاريات لتخفيف تأثير ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، كما فعل الكثيرون بعد الحرب في أوكرانيا.
- إذا استمرت أسعار النفط مرتفعة، قد تصبح السيارات الكهربائية خيارًا اقتصاديًا أكثر للقيادة من البرازيل إلى الولايات المتحدة.
ويوضح التقرير أن الحرب في الشرق الأوسط كشفت بالفعل عن ضعف أسواق الطاقة العالمية، ذلك أن نحو 20 بالمئة من النفط العالمي وجزء كبير من الغاز الطبيعي عادة ما يمر عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق جنوب إيران.
كما أن قطر، التي تزود خُمس الغاز الطبيعي المسال في العالم، أوقفت إنتاج الغاز، مما أدى لارتفاع الأسعار وإغلاق المصانع في دول بعيدة تعتمد على الوقود مثل الهند وكوريا الجنوبية وتايوان.
في فيتنام على سبيل المثال، بدأت علامات "نفذت الكمية" بالظهور في محطات الوقود. وفي باكستان، دعا المسؤولون لاعتماد أسابيع عمل من أربعة أيام لتوفير الطاقة. وفي المجر وكرواتيا، تم فرض قيود على أسعار الوقود المحلي.
وعلى المدى القصير، تتسابق الدول لتأمين الطاقة أينما وجدت، غالبًا من خلال النفط والغاز والفحم، التي تغطي مجتمعة نحو 80 بالمئة من احتياجات الطاقة العالمية.
أزمة مختلفة.. تحولات محتملة
تقول خبيرة النفط والغاز، لوري هايتان، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
الاستجابة لأزمة الغاز الحالية تختلف بين المدى القصير والطويل.
- على المدى القريب تتجه بعض الدول، لا سيما في آسيا، إلى التحول من الغاز إلى الفحم في توليد الكهرباء، باعتباره الخيار الأسرع والأقل كلفة، خاصة للدول التي تواجه صعوبة في تأمين الغاز بالكميات الكافية أو بالأسعار المرتفعة.
- هذا التحول السريع يُعد حلاً مؤقتاً لمعالجة تداعيات نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.
- بعض الدول أعلنت بالفعل اتخاذ هذه الخطوة لمواجهة الضغوط الفورية على قطاع الطاقة.
- على المدى الطويل، ستدفع تقلبات أسعار الغاز والاعتماد على العوامل الخارجية، مثل النزاعات الجيوسياسية التي تؤثر على الإمدادات، الدول إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الطاقوية، خصوصاً في ما يتعلق بإنتاج الكهرباء والصناعات المرتبطة به.
- الدول ستتجه إلى دراسة جدوى الاستثمار في الطاقات المتجددة، بهدف تقليل الاعتماد على الغاز، والحد من تأثير تقلبات الأسعار، وتعزيز أمن الطاقة، مشيرة إلى أن الأزمات الحالية، بما فيها تعطل الإمدادات من المنطقة، تبرز الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة.
وتبين أن الدول التي تمتلك القدرة المالية قد تستمر في شراء الغاز رغم ارتفاع أسعاره، سواء عبر امتصاص التكاليف أو تحميلها للمستهلك، في حين ستسعى دول أخرى إلى تقليل هذا العبء عبر التحول التدريجي نحو مصادر بديلة.
كما تؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد زيادة في الاعتماد على مزيج طاقوي أكثر تنوعاً، مع حصة أكبر للطاقات المتجددة، ما يعزز من الاعتماد الذاتي ويقلل من الارتباط بالتقلبات الخارجية.
وتختتم تصريحها بالإشارة إلى أن التحولات الحالية، رغم كونها استجابة لأزمة طارئة، قد تسرّع من وتيرة الانتقال نحو الطاقة المتجددة على المدى المتوسط والبعيد، خاصة في قطاع إنتاج الكهرباء.












