هل يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف تجربة البحث؟
13:10 - 10 يناير 2026
يقتحم الذكاء الاصطناعي قلب تجربة التصفح، دافعاً سوق المتصفحات إلى واحدة من أعمق تحوّلاته، في وقت تتكثف فيه محاولات كبرى شركات التكنولوجيا لإعادة تعريف كيفية وصول المستخدمين إلى الإنترنت، وكسر المعادلة التقليدية التي طالما منحت غوغل موقع الهيمنة.
يراهن هذا التحول على نقل المتصفح من مجرد نافذة للبحث واستعراض الروابط إلى نقطة قرار رقمية ذكية، قادرة على الفهم والتنفيذ والتفاعل المباشر، مع دخول لاعبين جدد مثل OpenAI وPerplexity، وتحركات متسارعة من مايكروسوفت، ما يفتح جبهة تنافسية جديدة في سباق السيطرة على سلوك المستخدمين وبياناتهم.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، إلى أن:
- كبرى مجموعات الذكاء الاصطناعي تُكثّف جهودها لتحدي هيمنة غوغل على سوق المتصفحات، وتراهن على أن التكنولوجيا المتطورة ستغير طريقة وصول الناس إلى الإنترنت.
- أطلقت كل من OpenAI وPerplexity متصفحات الويب الخاصة بهما في الأشهر الأخيرة، بينما قامت مايكروسوفت أيضًا بطرح أداة Copilot AI الخاصة بها لمتصفح Edge الخاص بها والتي تتيح للمستخدمين طرح أسئلة على روبوتات الدردشة جنبًا إلى جنب مع المحتوى الذي يشاهدونه.
- تمثل هذه التطورات أكبر تغيير في سوق المتصفحات العالمية على مدى العقدين الماضيين، وتمثل أحدث ساحة معركة بين مجموعات التكنولوجيا في السباق لاكتساب ميزة تنافسية في مجال الذكاء الاصطناعي .
ونقل التقرير عن رئيس مؤسسة موزيلا، مارك سورمان، قوله إن متصفحات الذكاء الاصطناعي ستشكل الطريقة التي "سنتفاعل بها جميعاً مع الإنترنت في المستقبل"، مضيفاً أن مجموعته تخطط للسماح للمستخدمين باختيار نموذج الذكاء الاصطناعي الذي يرغبون في دمجه في متصفح فايرفوكس الخاص بها.
يواجه صانعو متصفحات الذكاء الاصطناعي منافسة شديدة من غوغل ، التي تسيطر على أكثر من 63 بالمئة من حصة السوق العالمية، وفقاً لشركة كلاود فلير، وقد تحركت بسرعة لدمج نماذج الذكاء الاصطناعي Gemini الخاصة بها في متصفح كروم.
بالنسبة لمجموعات الذكاء الاصطناعي، فإن الجاذبية التجارية للمتصفحات هائلة حيث تسعى هذه المجموعات إلى جذب المزيد من المستخدمين والإيرادات.
وبالنسبة لكل من OpenAI و Perplexity، فإن إنشاء نسخ خاصة بهما سيمنحهما علاقة أكثر مباشرة مع مستخدميهما، والذين يصل الكثير منهم إلى برامج الدردشة الآلية مثل ChatGPT على متصفحات تسيطر عليها Google و Microsoft.
تحول جذري
من جانبه، يقول خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي من جامعة سان هوزه الحكومية في كاليفورنيا، أحمد بانافع ، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- متصفحات الويب تشهد تحولاً جذرياً مدفوعاً بتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث بدأت شركات ناشئة في تحدي هيمنة غوغل عبر إعادة تعريف مفهوم التصفح نفسه.
- المستخدم لم يعد يكتفي بإدخال استعلام والاطلاع على نتائج، بل بات يتوقع أن يكون المتصفح مساعداً ذكياً يفهم نواياه ويتفاعل معه وينفذ المهام نيابة عنه، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لمكانة غوغل كمحرك البحث الأول عالمياً.
- نموذج غوغل الاقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على عمليات البحث التقليدية والنقرات المرتبطة بالإعلانات، ومع بروز متصفحات ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي -سواء من شركات ناشئة أو منافسين كبار مثل مايكروسوفت- يرتفع احتمال تراجع عدد الاستعلامات التقليدية، بما قد ينعكس سلبًا على عوائد الإعلانات.
- هذه المتصفحات الجديدة تجمع بيانات سلوكية أكثر دقة عن المستخدمين، تشمل نوايا الشراء وسلوكيات التصفح والاهتمامات اللحظية، وهي بيانات كانت تمر سابقاً عبر غوغل، لكنها بدأت تنتقل تدريجياً إلى الجهات المطوّرة للمتصفحات الذكية، ما يسحب جزءاً من النفوذ الرقمي من غوغل.
ويؤكد أن غوغل ليست في خطر وشيك، لكنها تشعر بالتهديد بوضوح، لافتاً إلى شروعها في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل متصفح كروم عبر أدوات مثل "Gemini"، في محاولة للحفاظ على قاعدة مستخدميها. ويتابع أن المعركة القادمة لن تكون فقط على "محرك البحث"، بل على "نقطة البداية الرقمية" للمستخدم، أي المتصفح ذاته.
وعن الشركات الناشئة، يبيّن بانافع أنها تتمتع بمرونة وسرعة تطوير أعلى، وتركّز على تقديم تجربة تصفح مختلفة كليًا، عبر تحويل المتصفح إلى مساعد شخصي يستخدم نماذج لغوية متقدمة لإنجاز المهام، واختيار أفضل الخيارات، وتوفير الوقت، ما يزيد جاذبيتها للمستخدمين الباحثين عن الكفاءة والسرعة.
ويختم حديثه بالإشارة إلى أن:
- المنافسة ستشتد خلال عام 2026 مع دخول مزيد من الشركات الناشئة إلى هذا المجال، إلى جانب شركات تقنية كبرى تسعى لاقتناص الفرصة.
- من المرجح تحول تدريجي في سلوك المستخدمين من الاعتماد الكامل على محركات البحث إلى وكلاء أذكياء داخل المتصفحات يقومون بالبحث والتوصية والتنفيذ.
- الصراع يتمحور اليوم حول سؤال جوهري: من يملك لحظة القرار الرقمي؟ غوغل عبر نتائج البحث، أم مطورو المتصفحات الذكية الذين ينجزون المهمة مباشرة دون بحث تقليدي؟
- النتيجة لم تُحسم بعد، لكن الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة التصفح ويجبر غوغل على إعادة التفكير في استراتيجيتها المستقبلية.
أسئلة عن الخصوصية
في سياق متصل، وبحسب تقرير صدر في ديسمبر 2025 حول خصوصية المتصفحات، يُصنّف متصفح ChatGPT Atlas، الذي تم إصداره حديثًا، كأقل متصفحات الويب أمانًا. وفي ظلّ الموجة الأخيرة من أدوات التصفح المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أجرت شركة Digitain، المتخصصة في البرمجيات، دراسةً شملت 13 متصفحاً شائعاً، مع التركيز على ميزات الأمان المختلفة.
2025 نهاية التطبيقات وبداية اشتراك المتصفحات!

فشل ChatGPT Atlas في الاختبارات، ما يعني أنه لا يستطيع منع المواقع الإلكترونية من تتبع المستخدمين عبر جلسات التصفح المختلفة. وهذا أمرٌ لافتٌ للنظر.
أما متصفح Chrome، فيُصنّف ضمن أسوأ المتصفحات من حيث الخصوصية رغم شعبيته، إذ حصل على 41 نقطة فقط من أصل 100 في تأمين اتصاله بالمواقع الإلكترونية.
وعلى النقيض مما سبق، يعتبر متصفحا Brave و Mullvad الخيارين الأكثر أمانًا، حيث يحافظان على خصوصية نشاط التصفح الخاص بك تمامًا بعيدًا عن المعلنين وجامعي البيانات.
خضع كل متصفح لعشرات الاختبارات التقنية التي تحققت من ثلاثة أمور رئيسية: ما إذا كان بإمكان مواقع الويب تحديد هويتك وتتبعك عبر الإنترنت (ما يسمى ببصمة المتصفح والتتبع)، وما إذا كان المتصفح يمنع الشركات من جمع بياناتك من خلال ملفات تعريف الارتباط وأدوات التتبع، وما إذا كان اتصالك يظل آمنًا عند التنقل بين مواقع الويب.
تم تقييم المتصفحات في كل فئة، وتم دمج هذه التقييمات في درجة نهائية لمخاطر الخصوصية تتراوح من 1 إلى 99. كلما ارتفعت درجتك، كان متصفحك أسوأ في حمايتك، حيث تعني 99 عدم وجود حماية للخصوصية تقريبًا على الإطلاق.
إعادة تعريف تجربة البحث
أستاذ علم الحاسوب وخبير الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في السيليكون فالي كاليفورنيا، حسين العمري، يقول لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- تشهد سوق متصفحات الإنترنت ومحركات البحث تحوّلًا غير مسبوق، تقوده شركات ذكاء اصطناعي ناشئة لم تعد تكتفي بتطوير روبوتات دردشة، بل تتجه نحو إعادة تعريف تجربة تصفح الإنترنت نفسها.
- هذا التحول يشكّل تحديًا مباشرًا لهيمنة غوغل على سوق البحث ومتصفح الويب.
- في السنوات الأخيرة ظهرت مجموعة من المتصفحات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل المتصفح الجديد "أطلسAtlas " الذي أطلقته OpenAI، والذي يتميز بدمج قدرات الذكاء الاصطناعي مباشرة داخل واجهة التصفح لتقديم مساعد ذكي يقوم بالمهام، من التلخيص إلى الأداء الآلي للمهام داخل الويب دون الحاجة للخروج من الصفحة.
- كذلك أطلقت شركة Perplexity AI متصفحها الخاص المعتمد على الذكاء الاصطناعي والمعروف باسم Comet، وهو مصمم ليلبّي احتياجات المستخدم عبر دمج بحث ذكي، تلخيص صفحات، وإنشاء مخرجات مباشرة بدلًا من قائمة روابط تقليدية.
- هذه الأدوات ليست مجرد إضافات صغيرة، بل تحاول تحويل المتصفح من نافذة للروابط إلى مساعد ذكي يفهم السياق ويقدم إجابات فورية للمستخدم.
ويضيف: لا يمكن التقليل من قوة غوغل، إذ يهيمن متصفح Google Chrome على أكثر من نصف سوق التصفح عالمياً، ويُعَد البحث المصدر الأساسي لعائداتها الإعلانية.. لكن التغير في سلوك المستخدمين يشكّل ضغطًا حقيقيًا، حيث يزداد الاعتماد على أدوات توليد الإجابات المباشرة، ما يقلل الحاجة إلى صفحات نتائج البحث التقليدية، ويضع نموذج الإعلانات القائم على النقرات أمام تحدٍ متزايد.
التأثير لا يطال غوغل وحدها، بل يمتد إلى بنية سوق الإعلانات الرقمية بأكمله، مع انتقال المستخدم من التصفح القائم على الروابط إلى التفاعل المباشر مع الذكاء الاصطناعي.
ويوضح أن غوغل لم تقف موقف المتفرج، بل بدأت فعليًا بإعادة هندسة تجربتها الأساسية، وذلك من خلال:
- دمج الذكاء الاصطناعي مباشرة في نتائج البحث عبر ملخصات وإجابات ذكية.
- تطوير أدوات تجريبية مثل Project Mariner لدمج التنفيذ الذكي داخل تجربة المستخدم.
- تعزيز Chrome بقدرات ذكاء اصطناعي مدمجة بدل ترك الساحة لمتصفحات ناشئة مستقلة.
الهدف الواضح هو التحول من محرك بحث تقليدي إلى محرك إجابة وتنفيذ يحافظ على المستخدم داخل منظومة غوغل.
ويستطرد:
- تعتمد غوغل في استراتيجيتها على نموذجها اللغوي Gemini، الذي أصبح حجر الأساس لدمج الذكاء الاصطناعي في البحث وChrome وخدمات Workspace
- كما أن Gemini 3 يُعد من أهم أدوات غوغل في مواجهة موجة المتصفحات الذكية لتنفيذ مهام معقّدة داخل الويب، في رد مباشر على متصفحات الذكاء الاصطناعي الجديدة.












