لماذا تحث الصين بنوكها على تقليص حيازة السندات الأميركية؟
17:34 - 13 فبراير 2026في الوقت الذي تترقب فيه الأسواق العالمية ملامح الحقبة القادمة من العلاقات المالية بين أكبر اقتصادين في العالم، تبرز إلى الواجهة تحركات تنظيمية صينية تثير جملة من الاستفهامات الجوهرية حول مستقبل الاستثمار في الديون السيادية الأمريكية.
فمع صدور توجيهات من بكين لمؤسساتها المالية بضرورة كبح حيازاتها من سندات الخزانة، يبرز التساؤل الملح: ما تداعيات توجيهات بكين بتقليص حيازات البنوك من الخزانة الأميركية؟
إن هذا الحذر التنظيمي الصيني لا ينفصل عن سياق أوسع من الاضطرابات التي ضربت أسواق السندات والعملات مؤخراً، مما يفتح باب النقاش حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحرك، فلماذا تحث الصين بنوكها على تقليص الانكشاف على الديون الأميركية في هذا التوقيت بالذات؟
وهل يتجاوز الأمر مجرد التحوط المالي ليصل إلى إعادة تقييم شاملة لمكانة الدولار كملجأ آمن؟ وفي ظل الانهيارات التاريخية التي شهدتها أسواق الذهب والسندات العالمية هذا العام، يبقى التحدي الأكبر يكمن في مدى فاعلية هذه الاستراتيجية: فهل ينجح تنويع المخاطر في حماية بنوك الصين من تقلبات السوق، أم أن الارتباط العضوي بالنظام المالي العالمي يجعل من "الانسحاب الهادئ" مهمة معقدة وشديدة الحساسية؟
تقليص الانكشاف وتحذيرات من تقلبات السوق
بحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" واطلعت عليه "سكاي نيوز عربية"، فقد نصحت الهيئات التنظيمية في بكين المؤسسات المالية الصينية بضرورة كبح حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية، في خطوة تعكس قلقاً متزايداً من مخاطر "التركيز" والتقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق العالمية.
وأوضح التقرير أن المسؤولين الصينيين حثوا البنوك -لاسيما تلك التي تمتلك مراكز انكشاف عالية- على تقليص مشترياتها من الديون السيادية الأميركية، مع الإشارة إلى أن هذه التوجيهات شفهية ولا تشمل الحيازات الرسمية للدولة الصينية.
وأشار التقرير إلى أن هذه التحركات تعكس حذراً متزايداً لدى المسؤولين من أن الارتهان المفرط للديون الأميركية قد يجعل القطاع المصرفي عرضة لتقلبات حادة، وهي مخاوف تتقاطع مع نقاش عالمي أوسع حول وضع السندات الأميركية كملاذ آمن.
ورغم تأكيد المصادر لـ "بلومبرغ" أن هذه الخطوة تهدف حصراً لتنويع مخاطر السوق وليس لها أبعاد جيوسياسية أو فقدان للثقة في الجدارة الائتمانية لواشنطن، إلا أن التوقيت يكتسب أهمية خاصة، إذ جاءت هذه التوجيهات قبيل القمة المرتقبة في أبريل المقبل بين الرئيسين دونالد ترامب وشيه جين بينغ.
تراجع تاريخي
ولفتت الوكالة في تقريرها إلى أن الأسواق تفاعلت مع هذه الأنباء، حيث شهدت عوائد السندات ارتفاعاً طفيفاً، بينما سجل الدولار تراجعاً أمام العملات الرئيسية. كما ذكر التقرير أن البنوك الصينية كانت تمتلك نحو 298 مليار دولار من الأصول المقومة بالدولار حتى سبتمبر الماضي، وفقاً لبيانات إدارة النقد الأجنبي، في وقت يتزايد فيه تشكيك المستثمرين في الانضباط المالي لواشنطن واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، بالتزامن مع إشارات ترامب المتكررة حول ارتياحه لانخفاض قيمة الدولار.
واستعرض التقرير السياق التاريخي لهذا التوجه، حيث تقلصت حيازات الصين الإجمالية من السندات الأميركية بمقدار النصف تقريباً منذ ذروتها في عام 2013 لتصل إلى 683 مليار دولار في نوفمبر الماضي، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2008. ومع ذلك، ألمح محللون في التقرير إلى أن الانخفاض الفعلي قد يكون أقل حدة، حيث يُعتقد أن بكين قامت بنقل جزء من أصولها إلى حسابات عهدة في أوروبا، وتحديداً في بلجيكا التي تضاعفت حيازاتها من السندات أربع مرات منذ نهاية 2017 لتصل إلى 481 مليار دولار.
وذكر التقرير أيضاً أن هذا الحذر الصيني يأتي في ظل مشهد مالي عالمي مضطرب، شهد ارتفاعاً قياسياً للذهب ثم انخفاضه الحاد، بجانب انهيار سوق السندات الحكومية اليابانية بقيمة 41 مليار دولار، وتقلبات حادة في سعر صرف الين والدولار. وفي المقابل، أورد التقرير تصريحات وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الذي أكد أن سوق السندات حقق أفضل أداء له منذ 2020 وشهد طلباً أجنبياً قياسياً، مشيراً إلى أن إجمالي الحيازات الأجنبية للسندات الأميركية سجل رقماً قياسياً بلغ 9.4 تريليون دولار في نوفمبر الماضي.
3 دوافع متشابكة
في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية أرجع الخبير الاقتصادي الدكتور عماد الدين المصبح أستاذ الاقتصاد في كليات الشرق العربي، إصدار الجهات التنظيمية الصينية، توجيهات شفهية لكبرى البنوك التجارية بتقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية مع مطالبة البنوك الأكثر انكشافاً بخفض مراكزها فوراً، إلى ثلاثة دوافع متشابكة هي:
- مخاطر التركّز المالي: بلغت السندات المقوّمة بالدولار لدى البنوك الصينية نحو 298 مليار دولار حتى سبتمبر 2025. هذا الانكشاف المرتفع على فئة أصول واحدة يُعرّض الميزانيات العمومية لتقلبات حادة في بيئة تتسم بعدم اليقين.
- تآكل جاذبية الأصول الأميركية: فقدت سندات الخزانة جزءاً من مكانتها كملاذ آمن بسبب تضخم الدين الأميركي المتجاوز 38 تريليون دولار، والتهديدات المتكررة لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وانتشار ما يُعرف بـ"صفقة بيع أميركا" بين المستثمرين الدوليين.
- مسار استراتيجي طويل الأمد: هذه ليست خطوة مفاجئة، بل حلقة في سلسلة بدأت عام 2013 عندما بلغت حيازات الصين ذروتها عند 1.32 تريليون دولار. بحلول نوفمبر 2025 انخفضت إلى 682.6 مليار دولار — أي بتراجع قارب 48 بالمئة. وتراجعت حصة الصين من إجمالي سوق الخزانة من 14بالمئة إلى أقل من 3 بالمئة.
وحول تداعيات ذلك على الأسواق قال الدكتور المصبح: "انخفض الدولار بنحو 1بالمئة، وارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى 4.24% بالمئة، وتعززت أسعار الذهب. إن استمرار البيع الأجنبي قد يُجبر بنك الاحتياطي الفيدرالي على التحوّل إلى مشترٍ رئيسي لهذه السندات، مما يُنتج ضغوطاً تضخمية حادة".
غير أن المشهد لا يُمثّل هروباً جماعياً من الدولار. فقد رفعت دول مثل اليابان وبريطانيا والسعودية حيازاتها، ما دفع إجمالي الحيازات الأجنبية إلى مستويات قياسية جديدة. فالصين تُعيد التوازن، لكنها ليست وحدها في المعادلة، بحسب تعبيره.
إلى أين تتجه الأموال الصينية؟
ورداً على سؤال إلى أين تتجه الأموال الصينية أوضح المصبح أن استراتيجية التنويع تتوزع على ثلاثة محاور هي:
- الذهب أولاً، حيث واصل بنك الشعب الصيني الشراء 14 شهراً متتالياً ليصل الاحتياطي إلى 2,306 أطنان بقيمة تتجاوز 319 مليار دولار.
- السندات الأوروبية واليابانية ثانياً، مثلاً أعلن "دويتشه بنك" عن تحويل العملاء الصينيين لاستثماراتهم نحو هذه الأسواق.
- تدويل اليوان ثالثاً عبر نظام المدفوعات CIPS، حيث بلغت حصة اليوان 55 بالمئة من المدفوعات العابرة للحدود الصينية.
وختم الخبير الاقتصادي الدكتور المصبح بقوله: "هذه التوجيهات صدرت قبيل اتصال هاتفي بين الرئيسين شي وترامب وقبل قمة مرتقبة في أبريل 2026. ورغم التأكيدات الصينية بأن الخطوة مالية بحتة، فإنه يمكن قراءتها كرسالة مزدوجة: تحوّط مالي حقيقي، وإشارة ضمنية لواشنطن بأن بكين تملك أدوات ضغط اقتصادي فاعلة".
بناء نظام مالي بديل
من جهته، قال الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" حول أبعاد التحرك الصيني، إن التداعيات المباشرة لتوجيهات بكين تكمن في رغبتها الجادة في تقليل حجم حيازتها من العملة الأميركية"، مؤكداً أن هذا التوجه بات أمراً متعارفاً عليه دولياً، خاصة مع توصيات مؤسسات مالية عالمية -وعلى رأسها صندوق النقد الدولي- بضرورة زيادة الاستثمار في الذهب كبديل استراتيجي وأكثر أماناً.
ولفت الدكتور بدرة إلى أن هذا الأمر يكتسب أهمية قصوى في ظل توجه عالمي تقوده الصين ودول شرق آسيا، وبمشاركة فاعلة من دول مجموعة "بريكس"، لتعزيز حيازة الأصول والعملات البديلة مقابل الدولار.
وفيما يخص دفع البنوك لتقليص انكشافها على الديون الأميركية، أوضح أن هذا المسار يترتب عليه بالضرورة تراجع في وتيرة شراء القروض أو الاستثمار في السندات السيادية الأميركية، مشدداً على أن التقليل من حيازة هذه السندات هو انعكاس مباشر لسياسة تقليص الاعتماد على الدولار نفسه.
وحول قدرة بكين على حماية قطاعها المصرفي من تقلبات السوق عبر تنويع المخاطر، أكد الخبير الاقتصادي بدرة نجاح الصين في هذا المسعى بكل تأكيد، مشيراً إلى أن التركيز الصيني انتقل اليوم نحو استثمارات بديلة تكسر احتكار الدولار. وأضاف أن بكين اتجهت بفعالية نحو تفعيل نظام التبادل بالعملات المحلية مع شركاء استراتيجيين مثل الهند وروسيا وعدد من الدول العربية، معتبراً هذا التوجه "اللبنة الأولى" في مسيرة تغيير النظام المالي العالمي.
واختتم الدكتور مصطفى بدرة حديثه بالإشارة إلى أنه على الرغم من القوة التي لا يزال يتمتع بها الدولار، إلا أن استراتيجية الصين القائمة على تعزيز التعامل بالعملات الوطنية تهدف بالأساس إلى رفع حصيلتها من العملات الأجنبية المتنوعة، وتقليص استخدامات الورقة الخضراء تدريجياً، مما يوفر لبنوكها حماية استباقية ضد صدمات النظام المالي التقليدي.











