الاقتصاد العالمي.. هل يُظهر مرونة أكبر من المتوقع؟
06:33 - 03 أبريل 2026
أظهر الاقتصاد العالمي قدرةً نسبية على امتصاص الصدمات المتلاحقة، بدءًا من جائحة كورونا التي شلّت سلاسل الإمداد وأوقفت عجلة الإنتاج، مرورًا بالحرب في أوكرانيا التي أعادت تشكيل أسواق الطاقة والغذاء، وصولًا إلى اضطرابات الشرق الأوسط التي رفعت منسوب القلق الجيوسياسي ولا تزال تختبر حدود تلك المرونة.
ورغم عمق هذه الأزمات السابقة وتداخلها، نجحت الاقتصادات الكبرى والناشئة في إعادة التكيّف تدريجيًا، مدفوعة بحزم تحفيزية غير مسبوقة وسياسات نقدية مرنة، فهل تبقى صامدة في مواجهة اضطرابات الشرق الأوسط؟
تكشف هذه المحطات المتتالية عن تحوّل نوعي في بنية الاقتصاد العالمي، حيث تشجع وتيرة التنويع في مصادر الطاقة، وتعزز الحاجة لاستراتيجيات تأمين سلاسل التوريد، كما برزت التكنولوجيا كأداة حاسمة لضمان استمرارية الأعمال.
وفي هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية إلى أن:
- قطاع التجارة العالمية في العام 2025، لم يمت، بل شهد تغيرات معقدة، بعضها مؤقت (مثل زيادة الواردات الأميركية استجابةً لتهديد فرض تعريفات جمركية عالية)، وبعضها الآخر يُرجح أن يكون دائمًا (مثل انخفاض التجارة المباشرة بين الولايات المتحدة والصين)، وبعضها الآخر يقع بين هذين النقيضين (مثل ازدهار التجارة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي).
- ومع ذلك، فقد حافظت التجارة العالمية في السلع، وهي المنتجات المستهدفة بالتعريفات الجمركية، على قوتها بشكل لافت، وفقًا لتقرير " الجغرافيا السياسية وهندسة التجارة العالمية: تحديث 2026" ، وهو تقييم أولي لعام 2025 صادر عن معهد ماكينزي العالمي.
ووفق تقرير الصحيفة، فقد اتضح أن هناك "قدراً هائلاً من الخراب" في التجارة العالمية، لكن قد تبقى هناك حدود:
- هل ستنهار طفرة الذكاء الاصطناعي هذا العام؟
- هل يمكن أن يتجاوز تأثير حرب ترامب على إيران في عام 2026 الضرر الذي أحدثته حربه التجارية في عام 2025؟
- وبشكل أكثر تحديداً، هل سيؤدي الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز أمام صادرات النفط والغاز وغيرها من المنتجات الأساسية إلى أضرار تفوق قدرتنا على التعامل معها؟
لكن ووفق التقرير فقد يبدو من المرجح أنه مهما كانت هذه الحرب سيئة التخطيط والتنفيذ، سيجد ترامب طريقة لإعلان النصر وإنهاءها.
أكثر مرونة
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الاقتصاد العالمي أصبح أكثر مرونة في مواجهة الصدمات، بعدما تعرض خلال السنوات الأخيرة لسلسلة متتالية من الأزمات، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب في أوكرانيا، ووصولًا إلى التوترات التجارية والحروب الجيوسياسية الحالية، ما أدى إلى تشكّل ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الصدمات" أو "اقتصاد الحروب".
- أحد أبرز أسباب هذه المرونة يتمثل في تنوّع سلاسل التوريد عالميًا، بعد أن كانت تعتمد سابقًا على مسارات محددة، ما جعلها أكثر عرضة للاضطرابات.
- أما اليوم، فإن هذا التنوع أسهم في تخفيف حدة تأثير الأزمات المتلاحقة، كما لعبت الحروب التجارية، خصوصًا الرسوم الجمركية، دورًا في تسريع هذا التحول.
- الاقتصاد العالمي لم يعد يعتمد بشكل محوري على الولايات المتحدة فقط، في ظل صعود اقتصادات كبرى مثل الصين، إلى جانب النمو المتسارع للاقتصاد الهندي واقتصادات أخرى، ما عزز تعددية مراكز القوة الاقتصادية عالميًا، وساهم في تقليل تأثير أي صدمة منفردة.
ويضيف أن البنوك المركزية العالمية باتت أكثر سرعة وفعالية في الاستجابة للأزمات مقارنة بالسابق، مستفيدة من دروس الأزمة المالية العالمية في 2008 وأزمة الديون الأوروبية، حيث أصبحت تتدخل بشكل استباقي للحد من تداعيات الصدمات على الاقتصاد.
كما يلفت إلى أن التطور التكنولوجي، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، بدأ يلعب دورًا متزايدًا في دعم مرونة الاقتصاد العالمي، إلى جانب اعتماد الشركات والحكومات على خطط بديلة لمواجهة الأزمات، ما أسهم في تقليل احتمالات الدخول في حالات انكماش حادة رغم استمرار التأثيرات السلبية على النشاط الاقتصادي.
وفيما يتعلق بالتوترات الجيوسياسية الحالية، يؤكد يرق أنه:
- لا يمكن الحكم بشكل نهائي على تداعياتها بعد.
- استمرار التوترات لفترة أطول قد يؤدي إلى صدمات أكبر في قطاع الطاقة، بما ينعكس في صورة ضغوط تضخمية وضعف في الطلب العالمي.
- مسار الأزمة يظل مرهونًا بتطوراتها الزمنية.
الحرب.. اختبار مرونة
تقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها الاقتصادي، الذي نُشر في 26 مارس، إن:
- الصراع في الشرق الأوسط يختبر قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود.
- التوقعات محاطة بدرجة عالية من عدم اليقين وتعكس تفاعل قوتين متعارضتين.
- من الجوانب الإيجابية، يدعم النمو زخم قوي في الاستثمار والإنتاج المرتبطين بالتكنولوجيا، وانخفاض معدلات التعريفة الجمركية عما كان مفترضاً سابقاً، واستمرار النتائج القوية في عام 2025.
- من سلبيات الوضع، أن توقف الشحنات عبر مضيق هرمز وإغلاق بعض البنية التحتية للطاقة وتضررها قد أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتعطيل الإمدادات العالمية من الطاقة وغيرها من السلع الأساسية الهامة، كالأسمدة. وهذا بدوره يرفع التكاليف، ويؤثر سلباً على الطلب، ويزيد من الضغوط التضخمية.
ووفق المنظمة، فمن المتوقع أن يظل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي مستقراً بشكل عام عند 2.9 بالمئة في عام 2026 قبل أن يرتفع قليلاً إلى 3.0 بالمئة في عام 2027، مدعوماً بالاستثمار القوي المتعلق بالتكنولوجيا وانخفاض معدلات التعريفة الجمركية الفعلية تدريجياً.
وتضيف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "مع ذلك، فإن الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط يُلقي بظلاله على النمو ويُثير حالة من عدم اليقين بشأن الطلب العالمي. وتفترض هذه التوقعات أن اضطراب سوق الطاقة الحالي مؤقت، وأن الأسعار ستنخفض ابتداءً من منتصف عام 2026".
- ستستمر ضغوط التضخم لفترة أطول، حيث من المتوقع الآن أن يكون تضخم مجموعة العشرين أعلى في عام 2026 مما كان متوقعاً سابقاً، مما يعكس الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة العالمية.
- من المتوقع أن يبلغ معدل التضخم الرئيسي في اقتصادات مجموعة العشرين المتقدمة 4.0 بالمئة في عام 2026، أي أعلى بنسبة 1.2 نقطة مئوية مما كان متوقعاً سابقاً، قبل أن ينخفض إلى 2.7 بالمئة في عام 2027 مع تلاشي ضغوط أسعار الطاقة.
- من المتوقع أن يضعف التضخم الأساسي في اقتصادات مجموعة العشرين المتقدمة، من 2.6 بالمئة في عام 2026 إلى 2.3 بالمئة في عام 2027.
تشير توقعات السوق إلى انخفاض تدريجي في أسعار الطاقة، وهو افتراض تدعمه التوقعات الحالية.
وأضاف التقرير: "مع ذلك، فإن استمرار تعطل الشحنات عبر مضيق هرمز أو إغلاق منشآت النفط والغاز بشكل مستمر قد يؤدي إلى نتائج أسوأ بكثير".
مرونة ومخاطر
يقول كبير محللي الأسواق المالية في FXPro ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الإجابة على سؤال مدى تأثر الاقتصاد العالمي بالتطورات الجيوسياسية ليست بسيطة، ولا يمكن اختزالها بنعم أو لا، بل هي مزيج بين مرونة واضحة على المدى القصير ومخاطر حقيقية على المدى المتوسط.
- الاقتصاد العالمي يُظهر حالياً درجة ملحوظة من الصمود، إذ لا يزال يسجل نمواً يقارب 3% بالمئة خلال عام 2026 رغم الحرب وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يُعد مفاجئاً مقارنة بالتوقعات السابقة الأكثر تشاؤماً.
- صندوق النقد الدولي أشار بدوره إلى هذه المرونة، مؤكداً أن الاقتصاد العالمي تعلّم التكيف مع الصدمات المتتالية، بدءاً من جائحة كورونا مروراً بالحرب في أوكرانيا وصولاً إلى التوترات الحالية.
- طبيعة الصدمة الحالية تختلف عن سابقاتها، إذ تتركز بشكل أساسي في قطاع الطاقة، لا سيما النفط والغاز، خلافاً لما حدث في عام 2022 حين امتدت التأثيرات إلى معظم السلع.
- كما أن بعض الاقتصادات نجحت في تنويع مصادر الطاقة أو تقليص اعتمادها على الخليج، ما ساهم في الحد من انتقال العدوى الاقتصادية.
ويضيف أن السياسات الاقتصادية أصبحت أكثر حذراً ومرونة، حيث تتريث البنوك المركزية في قراراتها، في وقت تتدخل فيه مؤسسات دولية مثل البنك الدولي لدعم الاستقرار، ما يعكس قدرة أكبر على الاستجابة السريعة للأزمات مقارنة بالماضي. ويلفت إلى أن الأسواق المالية باتت تتفاعل بسرعة مع أي تطورات، فترتفع الأسهم عند إشارات التهدئة، بينما يتراجع النفط مع تحسن التوقعات، ما يعكس حساسية عالية لأي أخبار إيجابية أو سلبية.
ورغم ذلك، يشدد صليبي على أن هذه المرونة ليست مطلقة، في ظل عودة الضغوط التضخمية، إذ قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم العالمي بأكثر من 1.2 بالمئة، كما أن كل ارتفاع بنسبة 10بالمئة في أسعار الطاقة قد يبطئ النمو ويزيد الضغوط السعرية.
ويؤكد أن العالم يواجه صدمة تضخمية واضحة، مع نمو أبطأ وتجارة عالمية مهددة، خاصة إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، مشيراً إلى مخاطر متزايدة على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، ما قد ينعكس سلباً على القطاع الصناعي.
كما يشير إلى وجود تفاوت كبير بين الدول، حيث تتضرر الدول المستوردة للطاقة مثل الصين وكوريا، بينما تستفيد الدول المنتجة، في حين تبقى الأسواق الناشئة الأكثر هشاشة. ويحذر في الوقت نفسه من احتمال تراكم مخاطر مالية، وارتفاع تكاليف التمويل، وزيادة الضغوط على الأسر، إضافة إلى هشاشة محتملة في بعض القطاعات، خاصة الصناعة الأوروبية.
ويختتم صليبي حديثه بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي أصبح بالفعل أكثر مرونة، لكنه في المقابل أقل أماناً مما يبدو، موضحاً أن هذه المرونة مدعومة بالتكيف مع الأزمات وتطور السياسات الاقتصادية وتنويع مصادر الطاقة، إلا أن المخاطر الحقيقية قد تتصاعد إذا استمرت الحرب وبقيت أسعار النفط فوق 100 دولار لفترة طويلة، ما قد يؤدي إلى انتقال التأثيرات تدريجياً إلى الاقتصاد الحقيقي.











