أزمة الطاقة.. مخاطر مستمرة وسط احتمالات التهدئة
07:41 - 26 مارس 2026تتصاعد المخاوف في أسواق النفط العالمية، إذ يتابع المستثمرون والمحللون عن كثب كل مؤشر على تحرك الإمدادات أو أي تصعيد محتمل في مناطق النزاع.
ولا يقتصر التأثير على الأسعار وحدها، بل يمتد ليشمل سياسات التحوط، وتدفقات رأس المال، واستراتيجيات الشركات الكبرى التي تسعى لتأمين مخزوناتها، في وقت باتت فيه كل ساعة تحمل إمكانية قلب التوازن في السوق رأساً على عقب في ظل الحرب الحالية.
تتقلب الأسعار بوتيرة ملحوظة منذ بدء الحرب قبل نحو شهر، مدفوعة أكثر بالسيناريوهات المحتملة منها بالأساسيات الاقتصادية، إذ أصبح المستثمرون يقيسون المخاطر بناءً على توقع أسوأ النتائج، مع كل تصريح سياسي أو دبلوماسي قد يشير إلى تصعيد أو تهدئة.
في هذا السياق، ينقل تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية عن الرئيس المشارك لأبحاث السلع العالمية في غولدمان ساكس، دان سترويفن، قوله إن "الاضطراب الحالي في إمدادات النفط يمثل أكبر صدمة منذ عقود عند قياسها كنسبة من الإمدادات العالمية"، مؤكداً على حالة عدم اليقين العالية بشكل غير عادي التي تواجه الأسواق.
ويشير إلى أن تحركات الأسعار على المدى القريب لا تتأثر كثيراً بتغيرات التوقعات الأساسية، بل بتغيرات في احتمالية حدوث أسوأ السيناريوهات.
ووفق غولدمان ساكس، فإن أسعار النفط الخام تُتداول فعلياً بناءً على علاوة مخاطر جيوسياسية، حيث يتحوط المستثمرون ضد الاضطرابات المطولة وانخفاض المخزونات إلى مستويات حرجة.
ويفترض السيناريو الأساسي للبنك أن التدفقات عبر مضيق هرمز ستعود إلى طبيعتها في أبريل على مدى فترة أربعة أسابيع.
أسعار النفط
تقول خبيرة النفط والغاز، لوري هايتايان، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- أسعار النفط تواصل تذبذبها حول مستوى 100 دولار للبرميل صعوداً وهبوطاً، وذلك بعد مرور نحو شهر على اندلاع الحرب.
- السوق تستوعب معظم العوامل الجيوسياسية التي دفعت الأسعار للارتفاع خلال الفترة الماضية.
- إيران استخدمت معظم أوراق الضغط المتاحة لديها، باستثناء خطوة تصعيدية كبيرة تتمثل في إغلاق مضيق باب المندب أو تشديد القيود على تدفقات النفط، وهو ما من شأنه أن يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بشكل حاد.
- هذه الحرب تحولت إلى صراع اقتصادي عالمي انعكس بشكل مباشر على أسعار الطاقة، في وقت يعمل فيه المجتمع الدولي، إلى جانب الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب، على استخدام أدوات مختلفة للحد من ارتفاع الأسعار واحتواء تداعيات الأزمة.
وتشير إلى أن الأسواق باتت شديدة الحساسية لأي تطورات سياسية، إذ يؤدي صدور تصريحات حول إمكانية التوصل إلى حل أو تقدم في المفاوضات إلى تراجع فوري في الأسعار، وهو ما يُتوقع استمراره خلال الأسبوع الجاري.
وتلفت إلى أن الأنظار تتجه إلى نتائج المفاوضات التي يتحدث عنها ترامب، وما إذا كانت ستفضي إلى هدنة تمتد لشهر، موضحةً أن تأثير ذلك على الأسعار سيعتمد بشكل أساسي على وضع مضيق هرمز، سواء من حيث إعادة فتحه بالكامل أو استمرار القيود عليه.
وتُبين أنه "في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار مع إعادة فتح مضيق هرمز، فقد نشهد تراجعاً ملحوظاً في الأسعار، مدفوعاً بعودة تدريجية لإمدادات النفط والغاز إلى الأسواق، إلا أن سرعة هذه العودة تبقى محل خلاف، حيث تشير بعض التقديرات إلى إمكانية حدوثها خلال أسابيع أو أشهر، فيما يرى آخرون أنها قد تستغرق سنوات".
وتضيف: السيناريوهات المحتملة تتراوح بين بقاء الأسعار ضمن نطاق 90 إلى 100 دولار في حال استمرار القيود دون تصعيد، أو ارتفاعها مجدداً في حال فشل المفاوضات وعودة الهجمات على البنية التحتية في المنطقة.
وتختتم حديثها بالإشارة إلى أن هناك مقترحات دولية قيد النقاش، من بينها تشكيل تحالف دولي بتفويض من الأمم المتحدة لضمان أمن الملاحة وفتح المضائق الحيوية، وهو ما قد يساهم في تهدئة الأسواق وخفض الأسعار، مؤكدة أن مسار الأزمة سيبقى رهناً بالسيناريو الذي سيتحقق على أرض الواقع خلال الأيام المقبلة.
متى يشعر المستهلكون بالانفراجة؟
وفي سياق متصل، يشير تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أنه:
- حتى لو تمكن ترامب من إنهاء الحرب قبل الموعد النهائي الجديد الذي حدده لنفسه يوم الجمعة، فقد يستغرق الأمر أسابيع، إن لم يكن شهورًا، قبل أن تشهد العائلات والشركات الأميركية انخفاضاً حقيقياً في تكاليف الطاقة المتزايدة، وفقاً لما يقوله الاقتصاديون والمسؤولون التنفيذيون في الصناعة.
- من شأن إنهاء الحرب أن يخفف من حدة الأزمة الجيوسياسية، وأن يساعد على الأرجح في إعادة فتح ممرات الشحن المزدحمة في الشرق الأوسط، مما سيؤدي إلى انخفاض أسعار النفط والغاز من مستوياتها المرتفعة الأخيرة. إلا أن أي انفراجة ستصل تدريجياً إلى معظم المستهلكين، وربما لن تكون بالسرعة الكافية لتعويض الضرر الذي لحق بالاقتصاد الأميركي.
وينقل التقرير عن كبير الاقتصاديين في مؤسسة موديز أناليتكس، مارك زاندي، قوله إن احتمال استمرار ارتفاع التكاليف يؤكد مقولة شائعة في صناعة الطاقة: "الأسعار ترتفع كالصواريخ، وتنخفض كالريشة".
- إذا انتهت الحرب قريبًا، توقع أن يستغرق الأمر ما بين ستة إلى ثمانية أسابيع حتى يعود إنتاج النفط وشحناته إلى وضعه الطبيعي.
- وعندها، قد يستقر سعر النفط عند حوالي 80 دولارًا للبرميل من خام برنت، وهو أعلى من سعره قبل بدء القصف. ومن المرجح أن تنخفض أسعار البنزين في محطات الوقود تدريجيًا أيضاً.
- سيعتمد الجدول الزمني الدقيق على عوامل عديدة، منها حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط، ومصير مضيق هرمز، وهو ممر رئيسي للنفط والغاز مغلق فعلياً منذ أسابيع.
- كما سيختلف مسار الأسعار باختلاف نوع الوقود: فقد أدت الحرب إلى إجهاد الإمدادات العالمية من الديزل ووقود الطائرات على وجه الخصوص، مما يعني أن أسعار هذه المواد قد تبقى مرتفعة لفترة أطول.
الرسائل الاقتصادية
من جانبها، تقول أستاذة الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الرسائل الاقتصادية، إلى جانب عامل الوقت، تمثل أداة ضغط رئيسية على أسعار النفط والغاز.
- الصراع الحالي يُعد أحد أكبر التهديدات التي تواجه أمن الطاقة العالمي في التاريخ.
- النفط "يغرد خارج السرب" بعيداً عن بقية الأصول الاستراتيجية، لا سيما في ظل تضرر البنية التحتية لقطاع الطاقة في المنطقة، ما أدى إلى خلق حالة من "العطش الشديد" في أسواق الطاقة العالمية.
- حتى في حال لجوء وكالة الطاقة الدولية إلى الإفراج عن مخزونات إضافية، فإن استعادة الطاقة الإنتاجية المتكاملة تحتاج إلى ما لا يقل عن أربعة أشهر.
وتشير إلى أن التطورات الأخيرة، خاصة في منطقة مضيق هرمز، أفرزت ما وصفته بـ"طوفان حروب الطاقة" التي تضرب الاقتصاد العالمي بقوة، وتدفع نحو تسعير سيناريو الركود التضخمي، حتى مع تراجع الأسعار إلى ما دون 100 دولار للبرميل. وتعتبر أن تسجيل النفط هذه المستويات الحالية قد يمثل "خداعاً بصرياً" يعكس تفاؤلاً مفرطاً، في ظل بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة فعلياً واستمرار الفجوات السعرية بين مصادر الطاقة عالمياً.
وتضيف أن أسعار النفط مرشحة للتحرك في نطاق عرضي خلال الفترة المقبلة، مع استمرار تأثير العقوبات والتلاعب بها، خاصة مع السماح لبعض الدول مثل الهند بالحصول على النفط الإيراني والروسي.
وتؤكد أن الحل المستدام لعودة الأسعار إلى مستوياتها التوازنية يكمن في إنهاء "الحرب الطاقوية"، التي ألقت بظلالها على اقتصادات كبرى مثل أوروبا والهند واليابان، فضلاً عن تأثيرها على قطاعي الشحن والتأمين.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن تداعيات هذه الأزمة ستمتد لفترة طويلة على الاقتصاد العالمي، مدفوعة باضطرابات أسعار الطاقة، مشيرة إلى أن أكبر المستفيدين على المدى المتوسط هم منتجو النفط والغاز في الولايات المتحدة، رغم احتمال تأثر الاقتصاد الأميركي سلباً على المدى القصير.













