صناديق المؤشرات تحطم التوقعات في 2025
10:27 - 18 فبراير 2026تسجّل صناديق المؤشرات المتداولة صعوداً لافتاً في خارطة الاستثمار بمنطقة الخليج، لتتحول من أداة مالية ناشئة إلى رافعة استراتيجية لإعادة تشكيل سلوك المستثمرين وآليات توزيع الأصول. هذه الصناديق، التي تُتداول في البورصة على غرار الأسهم، تتيح التعرض لسلة متنوعة من الأصول ضمن منتج واحد، ما يجعلها بديلاً عملياً عن شراء عشرات الأسهم بشكل منفصل، مع ما يحمله ذلك من كفاءة في التكلفة وسهولة في التنفيذ.
خلال العام الماضي، شهدت المنطقة إطلاق ستة صناديق جديدة، ليرتفع إجمالي عددها إلى 36 صندوقاً، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة النمو.
ولم يعد نطاقها مقتصراً على تتبع مؤشرات تقليدية، بل امتد ليشمل رهانات استراتيجية على اتجاهات مستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وأسهم التكنولوجيا الصينية.
ويأتي هذا التوسع مدعوماً بإصلاحات تنظيمية ومبادرات تحفيزية، إلى جانب تنامي وعي المستثمرين بأهمية التنويع وإدارة المخاطر بكفاءة أعلى.
في مقابلة مع برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، قدّم المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة OCEANE Invest أنطوني ساسين قراءة تفصيلية لأداء صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) خلال عام 2025، مستعرضاً بالأرقام تحولات غير مسبوقة على المستوى العالمي، ومؤشرات انتقال نوعي في أسواق الخليج، في سياق يتجاوز التوقعات التي سادت مطلع العام.
أرقام قياسية عالمية رغم رهانات التراجع
استهلّ ساسين عرضه بالتأكيد أن 2025 كانت "سنة كثيرة" لصناديق المؤشرات المتداولة، إذ شهدت تحطيم عدة أرقام قياسية. فعلى مستوى التدفقات، دخل نحو تريليوني دولار إلى هذه الصناديق عالمياً خلال العام، بزيادة تقارب 35 بالمئة مقارنة بالسنة السابقة.
وأوضح أن صناديق الأسهم في الولايات المتحدة تصدّرت هذه التدفقات، بالتوازي مع تسجيل أرقام قياسية أيضاً في الصناديق ذات الطابع الموضوعي.
أما من ناحية التداول، فقد بلغ إجمالي التداول على صناديق المؤشرات المتداولة نحو 60 تريليون دولار في 2025، بزيادة تقارب 30 بالمئة، وهو مستوى قياسي جديد. وتأتي هذه النتائج خلافاً لتوقعات عدد من المحللين الذين رجّحوا تراجع أداء الصناديق خلال العام، على خلفية ارتفاع تقييمات الأسواق وارتفاع مستويات التمركز، غير أن الواقع أظهر تدفقات متزايدة بدلاً من الانكماش المتوقع.
المستفيدون الكبار: صدارة أميركية
على مستوى الشركات، أشار ساسين إلى أن فانغارد (Vanguard) كانت أكبر المستفيدين خلال 2025، بعدما سجلت زيادة تقارب 400 مليار دولار في عام واحد. تلتها BlackRock بزيادة تقارب 360 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
وتعكس هذه الأرقام استمرار تمركز التدفقات في كبرى شركات إدارة الأصول العالمية، بالتوازي مع اتساع قاعدة المستثمرين في هذا القطاع.
الخليج: سنة الصناديق الموضوعية
انتقل ساسين إلى المشهد الخليجي، واصفاً عام 2025 بأنه "سنة الصناديق الموضوعية" في المنطقة.
وأوضح أن السوق شهد للمرة الأولى إدراجاً مكثفاً لصناديق ثيماتيك، تمركز معظمها في سوق أبوظبي. وذكر أن ثلاثة منها صدرت عن شركة لونيت، شملت صندوقاً للذكاء الاصطناعي (AI Power)، وآخر للحوسبة الكمية (Quantum Computing)، وثالثاً يركز على قطاع السلع الفاخرة، مستثمراً في شركات مثل Ferrari وغيرها من العلامات الفاخرة.
كما سجّل العام سابقة تاريخية في دول مجلس التعاون عبر إدراج مزدوج لصناديق مدرجة في الولايات المتحدة، في خطوة ربطت بين بورصة نيويورك وسوق أبوظبي للأوراق المالية. وشمل ذلك صندوق KWEB المتخصص في الإنترنت الصيني، والذي تبلغ أصوله نحو 9 مليارات دولار ويُعد الأكبر خارج الصين في فئته، إلى جانب صندوق مرتبط بائتمانات الكربون.
ووفق ساسين، تضاعفت أصول صناديق المؤشرات المتداولة في الخليج أربع مرات خلال 2025، لترتفع من نحو 3 مليارات دولار إلى نحو 11 مليار دولار، في مؤشر على تسارع النمو وإن كان من قاعدة صغيرة مقارنة بالأسواق المتقدمة.
عوامل الدعم: الذكاء الاصطناعي والتنظيمات
في تفسيره لارتفاع التدفقات بنسبة 35 بالمئة خلافاً للتوقعات، أشار ساسين إلى عدة عوامل أساسية. في مقدمتها عامل الذكاء الاصطناعي، الذي شجّع المستثمرين على دخول السوق. كذلك، سُجّل رقم قياسي عالمي في عدد الإطلاقات، مع إدراج أكثر من ألف صندوق مؤشرات متداولة خلال العام، بمعدل أربعة إلى خمسة صناديق يومياً، وبزيادة تقارب 40 بالمئة.
ولفت إلى أن هذا الزخم لا يعني بالضرورة نجاح جميع الصناديق، لكنه يعكس اهتماماً استثمارياً متزايداً. كما أشار إلى تغييرات تنظيمية، خصوصاً في الولايات المتحدة، حيث سُمح لصناديق الاستثمار المشتركة بإضافة فئات أسهم على شكل ETFs، ما عزّز التقارب بين الصناديق المشتركة والصناديق المتداولة، ودفع مزيداً من التحول من الأولى إلى الثانية.
وأوضح أن صناديق الاستثمار المشتركة تتداول مرة واحدة يومياً، فيما تتيح الصناديق المتداولة للمستثمرين الدخول والخروج خلال ساعات التداول، ما يعزز جاذبيتها كأداة أكثر مرونة وابتكاراً.
تركّز قطاعي: التكنولوجيا في الصدارة
خليجياً، أكد ساسين أن قطاع التكنولوجيا يحظى بأكبر قدر من التركيز، خاصة ضمن الصناديق الموضوعية المدرجة حديثاً في أبوظبي، حيث يغلب الطابع التكنولوجي على معظمها، بما يشمل الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي والإنترنت الصيني. كما أشار إلى اهتمام متزايد من شركات عالمية بالانضمام إلى أسواق أبوظبي والسعودية ودبي، وإلى احتمال توسيع الربط ليشمل بورصة لندن للأوراق المالية بعد نجاح الربط مع نيويورك.
ورجّح أن تشهد المنطقة مزيداً من الإدراجات خلال العام، بما يعزز تحولها إلى محور لصناديق المؤشرات المتداولة.
2026: استمرار الزخم؟
وعن التوقعات، رأى ساسين أن تجاوز 2026 لأداء 2025 ليس أمراً مضموناً، لكن هناك مؤشرات داعمة، أبرزها التغييرات التنظيمية في الولايات المتحدة، حيث يُتوقع انتقال نحو تريليون دولار من الصناديق المشتركة إلى الصناديق المتداولة. كما أشار إلى تدفقات متزايدة من كبار المستثمرين، بمن فيهم صناديق التقاعد، نحو ETFs، إضافة إلى انتقال استراتيجيات الصناديق النشطة إلى هياكل متداولة، مع تسجيل نحو 33 بالمئة من التدفقات لصالح هذه الفئة خلال العام.
السوق الخليجي يقارب المعايير الأوروبية
أكد أنطوني ساسين، مؤسس ورئيس OCEANE Invest، في مقابلة مع برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، أن السوق الخليجي شهد تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الثلاث إلى الأربع الماضية، سواء من ناحية التنظيمات أو هيكل الأسواق. وأوضح ساسين أن السوق الخليجي أصبح يضاهي الأسواق الأوروبية في بعض الجوانب، بفضل الجهود الكبيرة التي بذلت لتحسين الأطر التنظيمية وتطوير البنية التحتية المالية بما يسمح بخلق بيئة تداول على مستوى عالمي.
الإطار التنظيمي لصناعة الصناديق المتداولة (ETFs)
وأشار ساسين إلى تقدم كبير في الإطار التنظيمي لصناعة الـ ETFs، لا سيما في السوق السعودي، حيث تم الإعلان عن ETFs Market Making Framework. وأكد أن هذه الخطوة تعد محفزاً رئيسياً لجذب شركات التداول مثل OCEANE Invest وغيرها للانضمام إلى السوق الخليجي، مشيراً إلى أن التنظيمات الحديثة تشجع على الاستثمار وتسهّل عمليات التداول.
الطلب المحلي مقابل الأسواق العالمية
رغم التطورات التنظيمية، أشار ساسين إلى أن الطلب المحلي على الصناديق المتداولة لا يزال محدوداً مقارنة بالأسواق الأميركية والأوروبية. ولفت إلى أن عدد الصناديق المدرجة في الخليج يبلغ نحو 36 صندوقاً فقط، في حين يوجد أكثر من 4800 صندوق في الولايات المتحدة وحوالي 3500 في أوروبا. ويعزى ذلك إلى أن منظومة الدعم والإيكوسيستم المالي المحلي ما زال في مرحلة البناء، مما يجعل غالبية الطلب المحلي يتجه نحو الأسواق الخارجية.
توقعات النمو وفرص التوسع
مع إدراج المزيد من الصناديق الكبرى من شركات محلية مثل لونيت والبلاد كابيتل، يتوقع ساسين أن يشهد السوق الخليجي زيادة كبيرة في الطلب، ما سيمكنه من اللحاق بالأسواق الأميركية والأوروبية تدريجياً. ويعتبر هذا التوسع خطوة مهمة لتعزيز مكانة المنطقة كمركز استثماري قادر على استقطاب السيولة العالمية.




