هل يمكن للاقتصاد الأميركي أن يزدهر بدون مهاجرين؟
11:33 - 25 مارس 2026تؤثر سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الهجرة على قطاعات اقتصادية حيوية مثل البناء والزراعة والضيافة، ما يطرح تساؤلاً ملحّاً حول قدرة الاقتصاد الأميركي على الاستمرار في الازدهار بدون العمالة المهاجرة.
تبطئ القيود الجديدة على دخول المهاجرين تدفق القوى العاملة، ويتصاعد القلق بين الشركات التي تعتمد على هذه اليد العاملة، ما يؤدي بدوره إلى ضغوط على الأجور وزيادة تكاليف الإنتاج، بما يفاقم التضخم ويبطئ النمو الاقتصادي.
حوّل الانخفاض في صافي الهجرة في 2025 من سياسات الهجرة إلى عامل مؤثر في انخفاض الإنفاق الاستهلاكي ونمو التوظيف، في حين يتوقع الخبراء استمرار انعكاسات هذه السياسات على الاقتصاد الأميركي لسنوات قادمة، بعيدًا عن أي أثر لحظي أو مؤقت.
سياسات ترامب
بحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" فإن:
- الشركات الأميركية تواجه تحديات جمة منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدءاً من الرسوم الجمركية وصولاً إلى ارتفاع أسعار الوقود نتيجة للحرب في إيران.
- إلا أن سياسات ترامب المتعلقة بالهجرة تُعدّ من أكثر تدخلاته إثارةً للجدل.
- يحذر الخبراء من أنهم يلحقون أضراراً بالغة بقطاعات مثل البناء والزراعة والضيافة التي تشكل مجتمعة ما يصل إلى 9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.
- في الصناعات التي تعتمد على العمالة المهاجرة، قد يؤدي انخفاض تدفق الوافدين الجدد إلى إبطاء النمو الاقتصادي ورفع الأجور، مما يؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية في جميع أنحاء الاقتصاد.
ووفق التقرير، فقد تأثرت تدفقات الهجرة بالفعل بالسياسات التقييدية الجديدة، حيث تشير البيانات إلى أن عدد المغادرين من الولايات المتحدة العام الماضي فاق عدد الداخلين إليها، وذلك للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل.
نمو أضعف
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق:
- الاقتصاد الأميركي قادر نظرياً على تحقيق النمو دون الاعتماد على المهاجرين.
- إلا أن هذا النمو سيكون أضعف بكثير مقارنة بوجودهم، نظراً للدور المحوري الذي يلعبونه في دعم مختلف القطاعات الحيوية.
- المهاجرون يشكّلون عنصراً أساسياً في بنية الاقتصاد الأميركي، حيث تعتمد قطاعات كبرى مثل الزراعة والضيافة والصناعة، بالإضافة إلى التكنولوجيا، بشكل كبير على العمالة المهاجرة، لاسيما الكفاءات القادمة من الهند في قطاع التكنولوجيا، ما يمنح الاقتصاد دفعة إضافية للنمو.
- الولايات المتحدة تواجه تحديًا ديموغرافيًا يتمثل في ارتفاع معدلات الشيخوخة، ما يجعل تدفق المهاجرين بمثابة "دماء جديدة" تعزز سوق العمل وتمنع حدوث ضعف هيكلي في الاقتصاد.
- غيابهم قد يؤدي إلى نقص في العمالة، وبالتالي ارتفاع الأجور، الأمر الذي يشكّل ضغطًا تصاعديًا على معدلات التضخم.
كما يلفت إلى أن ضعف سوق العمل الذي أشار إليه مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي في عدة مناسبات، يرتبط جزئيًا بتراجع تدفقات العمالة المهاجرة التي كانت تسد فجوات مهمة في هذا السوق.
ويؤكد يرق أن الاقتصاد الأميركي تاريخيًا قام على الهجرة، حيث أسهم المهاجرون في بناء التنوع والريادة الاقتصادية، وكانوا روادًا في العديد من القطاعات، مضيفًا أنهم كانوا يضيفون نقاطًا مئوية ملموسة إلى معدلات النمو.
ورغم التطور في تقنيات الذكاء الاصطناعي واعتماد بعض الشركات عليها لتعويض نقص العمالة، يشدد على أن هذه التكنولوجيا لن تكون قادرة على سد جميع الفجوات، خاصة في القطاعات الأساسية التي تعتمد بشكل مباشر على العنصر البشري.
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن السياسات المرتبطة بتقييد الهجرة، بما في ذلك تشديد شروط التأشيرات وارتفاع تكلفتها، قد تؤثر سلبًا على قدرة الشركات، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا، على استقطاب الكفاءات، ما ينعكس بدوره على وتيرة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.
تأثير اقتصادي
وفق حسابات معهد بروكينغز، شهدت الولايات المتحدة صافي هجرة يتراوح بين 295 ألفًا و10 آلاف شخص في عام 2025.
ويقول معهد بروكينغز إن الضغط الناتج على السكان لخفض عددهم سيؤثر بشكل دائم على الاقتصاد. ويتوقع المعهد أن ينخفض الإنفاق الاستهلاكي للمهاجرين بمقدار يتراوح بين 10 مليارات و40 مليار دولار هذا العام، وأن يتحول نمو التوظيف الشهري إلى السالب، بينما سينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 0.1 و0.3 نقطة مئوية.
وينبه إلى أن "النشاط الاقتصادي الضعيف بشكل غير متوقع" بين الشركات التي تخدم السكان المهاجرين هو "الوضع الطبيعي الجديد في ظل سياسة الهجرة الحالية". والسبب هو أن العديد من المهاجرين، حتى أولئك الذين يحملون الأوراق الثبوتية، باتوا يخشون مغادرة منازلهم.
وبحسب تقرير لمركز التقدم الأميركي، فإن:
- الأمر سيستغرق سنوات، لا أشهر، لرؤية الأثر الكامل لسياسات ترامب -فيما يخص الهجرة- على الاقتصاد الأميركي.
- لكن الآثار السلبية المباشرة باتت واضحة بالفعل، وستتفاقم مع مرور الوقت.
- بينما توجد عوامل عديدة أسهمت في انخفاض معدل التوظيف في شهرين من الأشهر الثلاثة الماضية، والارتفاع الطفيف في معدل البطالة، فإن انخفاض الهجرة يُعدّ جزءًا لا يتجزأ من هذه العوامل، وبيانات الأسر المعيشية الآن تعكس هذا الواقع بشكل أدق.
ارتباط تاريخي
يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي:
- الاقتصاد الأميركي يرتبط تاريخياً وعملياً بدور الهجرة في دعم النمو والإنتاجية.
- من حيث المبدأ يمكن للاقتصاد الاستمرار دون مهاجرين، لكن من غير المرجح أن يحافظ على نفس وتيرة الازدهار أو الكفاءة.
- المهاجرون يشكلون نسبة مهمة من القوة العاملة، لا سيما في قطاعات حيوية مثل الزراعة والبناء والرعاية الصحية والتكنولوجيا، ما يعني أن أي تراجع في أعدادهم قد يؤدي إلى نقص في العمالة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وبالتالي الضغط على معدلات النمو.
- الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على الهجرة لتعويض تباطؤ النمو الطبيعي للسكان، محذراً من أن تقليصها سيؤدي إلى تسارع شيخوخة المجتمع، وتراجع نسبة العاملين مقارنة بالمتقاعدين، وهو ما يمثل عاملاً سلبياً على النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
ويشير صليبي إلى أن الابتكار والإنتاجية قد يتأثران أيضاً، لافتاً إلى أن نسبة كبيرة من الشركات الناشئة في الولايات المتحدة أسسها مهاجرون أو أبناء مهاجرين، خاصة في قطاع التكنولوجيا، ما يجعل تقليص الهجرة عاملاً مضعفاً لديناميكية الابتكار والتنافسية العالمية.
وفيما يتعلق بالتضخم، يوضح أن نقص العمالة قد يدفع الأجور إلى الارتفاع بوتيرة أسرع، وهو ما سينعكس على الأسعار، ويجعل مهمة الاحتياطي الفيدرالي أكثر تعقيداً في السيطرة على التضخم.
ويختتم بالإشارة إلى أن تقليص الهجرة قد يدفع في المقابل نحو زيادة الاستثمار في الأتمتة أو رفع أجور العمالة المحلية، إلا أن هذا التحول يحتاج إلى وقت، وقد لا يكون كافياً لسد الفجوة بشكل كامل.










