الاقتصاد العالمي بين تحفيز النمو وفخ الديون
08:10 - 30 يناير 2026
تتصاعد المخاوف في الأوساط الاقتصادية من موجة ديون غير مسبوقة تجتاح ليس فقط الدول الفقيرة، إنما أيضاً كبرى اقتصادات العالم، في تحول لافت يعيد رسم خريطة المخاطر المالية العالمية.
بعدما ارتبطت أزمات الديون تاريخياً بالأسواق الناشئة، باتت الاقتصادات المتقدمة نفسها مصدر قلق رئيسي، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض واستنزاف الموارد العامة.
تضغط أعباء الفوائد المتزايدة على موازنات الحكومات، فتزاحم الإنفاق الحيوي على الصحة والتعليم والبنية التحتية والتكنولوجيا، وتحدّ من قدرة الدول على الاستثمار في مستقبلها. ولا يتوقف الأثر عند حدود المالية العامة، بل يمتد إلى القطاع الخاص عبر ارتفاع كلفة القروض الاستهلاكية والتجارية، بما يهدد بتباطؤ النشاط الاقتصادي وزيادة الهشاشة المالية.
يعتمد النمو العالمي في المقابل بشكل متزايد على جرعات جديدة من التحفيز المالي الممول بالديون، في معادلة تبدو قصيرة الأجل ومحفوفة بالمخاطر. فبينما توفر هذه السياسات دعماً سريعاً للنمو والوظائف، فإنها تطرح سؤالاً جوهرياً حول الاستدامة: ماذا سيحدث عندما تتقلص شهية المستثمرين لتمويل هذا التوسع المستمر في الاقتراض؟
ديون قاسية
تحت عنوان "ديون قياسية في أغنى دول العالم تهدد النمو العالمي"، يشير تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن "تكلفة الاقتراض تُعيق بالفعل الإنفاق العام الحيوي في العديد من الاقتصادات النامية. والآن، باتت هذه التكلفة تثير مخاوف أوسع نطاقاً".
ويضيف التقرير:
- لعقود طويلة، تسببت الديون الهائلة في انتشار البؤس في الدول الفقيرة وذات الدخل المنخفض في العالم . لكن خطر الاقتراض غير المستدام الذي يخيم الآن على الاقتصاد العالمي ينبع من بعض أغنى دول العالم.
- إن مستويات الدين القياسية أو شبه القياسية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان تهدد بعرقلة النمو وزرع عدم الاستقرار المالي في جميع أنحاء العالم .
- أما على الصعيد المحلي، فهذا يعني أن الدول يجب أن تدفع فوائد من الأموال التي كان من الممكن أن تُستخدم في الرعاية الصحية أو الطرق أو الإسكان العام أو التقدم التكنولوجي أو التعليم.
- أدى التهافت المتزايد على القروض إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض، مما استنزف حصة أكبر من أموال دافعي الضرائب.
- كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الفائدة على قروض الأعمال والاستهلاكية وقروض السيارات، بالإضافة إلى الرهون العقارية وبطاقات الائتمان؛ ويرفع معدل التضخم.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق -وفق التقرير- هو أن الديون المتراكمة - التي تتضخم حتى عندما يكون الاقتصاد سليماً نسبياً ومعدلات البطالة منخفضة، كما هو الحال في الولايات المتحدة - تمنح الحكومات مجالاً أقل للاستجابة عندما تسوء الأمور.
أزمات مالية
من لندن، يقول الخبير الاقتصادي، أنور القاسم، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الارتفاع القياسي في ديون الدول الغنية بات يشكّل تهديداً مباشراً للاقتصادات، وينذر بأعباء ثقيلة على الأجيال المقبلة، قد تتجسد في أزمات مالية حادة واضطرابات سياسية، وربما صراعات وحروب واسعة النطاق.
- معدل الدين العالمي، في حال استمر على وتيرته الحالية، مرشح للارتفاع إلى مستويات قياسية (..) وهو ما يهدد مكانة سندات الخزائن للدول الكبرى، وعلى رأسها سندات الخزانة الأميركية، بوصفها ركيزة أساسية في النظام المالي العالمي.
وفي سياق متصل، يشير إلى أن الأسواق الناشئة تواجه استحقاقات غير مسبوقة لعمليات استرداد السندات والقروض (..) ما يزيد من الضغوط على السيولة والاستقرار المالي.
ويضيف أن هذا الواقع يؤدي، أولًا، إلى ارتفاع كبير في الأسعار، ويغذي موجات التضخم، ويستنزف رصيد الأجيال المقبلة، بينما تدفع العملات الوطنية ثمناً باهظاً، قد يضطر العديد من الدول إلى اللجوء إلى تعويم عملاتها، مع ما يحمله ذلك من خسائر جسيمة في المدخرات.
ويتابع القاسم أن النمو الاقتصادي يعتمد أساساً على الإنتاج والائتمان، إلا أن استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة يرفع كلفة خدمة الديون بشكل كبير على معظم دول العالم، وهو ما يقود في المحصلة إلى تباطؤ النمو، والدخول في حالة ركود، وربما أزمات اقتصادية شبيهة بما حدث في أزمة 2008 نتيجة انهيار الائتمان.
ويختم الخبير الاقتصادي تصريحه بالتأكيد على أن تصاعد الديون يشكل مؤشراً خطيراً على دخول الاقتصادات الكبرى والنامية في دوامة أزمات متلاحقة، قد تفضي في نهاية المطاف إلى صراعات كبرى تعيد تشكيل النظام العالمي.
ديون الحكومات
وتحت عنوان "الاقتصاد العالمي مدمن على ديون الحكومات"، يشير تقرير لـ "وول ستريت جورنال" إلى أن تزايد "اعتماد النمو الاقتصادي العالمي على حزم التحفيز المالي الحكومية الكبيرة".
ويضيف:
- في ظل سلسلة من الصدمات التي أدت إلى تباطؤ النمو، تقوم الدول في جميع أنحاء العالم بإلغاء خطط الادخار وإطلاق حزم تحفيز مالي ضخمة ممولة من عجز كبير في الميزانية.
- من أوروبا ذات النمو البطيء إلى الولايات المتحدة وأجزاء من آسيا، حيث تُغذي استثماراتٌ ضخمةٌ في الذكاء الاصطناعي الطلب، من المتوقع أن يُعزز هذا الإنفاق الهائل النمو الاقتصادي وفرص العمل على المدى القريب.
- ونتيجةً لذلك، قد يتسارع النمو العالمي إلى معدل سنوي قدره 3% خلال الأشهر الستة المقبلة، وفقًا لتوقعات بنك جيه بي مورغان.
- يقول الاقتصاديون إن هذه قد تكون استراتيجية محفوفة بالمخاطر في وقت انخفاض معدلات البطالة وارتفاع أسعار الفائدة.
في الولايات المتحدة، يعكس العجز الكبير والمستمر في الميزانية كلاً من الإنفاق الكبير على الضمان الاجتماعي وجهود إدارة ترامب للحد من الضرائب.
بينما يؤدي ازدياد الاقتراض الفيدرالي إلى ارتفاع أسعار الفائدة وانكماش الاقتصاد، قالت ويندي إيدلبرغ، كبيرة الاقتصاديين السابقة في مكتب الميزانية بالكونغرس: "أعتقد بأن هذه الآثار ليست كبيرة". وأضافت أن مستثمري السندات يعتقدون بأن الولايات المتحدة تمتلك ثروة كافية لتمويل ديونها، خاصةً وأن معدلات الضرائب فيها منخفضة نسبيًا، مما يعني أن يوم الحساب بعيد جدًا لدرجة أنه لا يستحق التفكير فيه.
ووفق التقرير، فإنه مع تزايد صعوبة تمويل الإنفاق، قد تضطر بعض الحكومات في نهاية المطاف إلى رفع الضرائب أو خفض النفقات، وفقًا لبعض الاقتصاديين. ويرى موريس أوبستفيلد، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، أن الشرارة قد تكون فقدان ثقة المستثمرين في قدرة الحكومات على سداد ديونها، أو حتى إعادة النظر في الفوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي.
استدامة النمو
ويقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الاقتصادات الكبرى تشهد في المرحلة الحالية مستويات مرتفعة تاريخياً من الديون الحكومية، وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول استدامة النمو العالمي وآفاق الاستقرار في الأسواق المالية الدولية.
- عدد من أكبر الاقتصادات في العالم يواجه أعباء دين ثقيلة مقارنة بحجم اقتصاده، بما في ذلك اقتصادات متقدمة لطالما اعتُبرت ركائز للاستقرار المالي العالمي.
- هذا الاتجاه لا يقتصر على دولة بعينها، بل يعكس ظاهرة أوسع ترتبط بسنوات من السياسات المالية التوسعية، والأزمات المتلاحقة، وارتفاع كلفة الاقتراض.
ويشير الخفاجي إلى أن تصاعد الدين الحكومي عالمياً يعكس ضغوطاً متزايدة على الموازنات العامة، ويضع الحكومات أمام مفاضلات صعبة بين احتواء العجز، والحفاظ على مستويات الإنفاق الضرورية لدعم النمو والاستقرار الاجتماعي.
وحول دلالات هذا المشهد، يوضح أن من أبرز التداعيات تضاؤل هامش المناورة المالية لدى الحكومات، إذ يؤدي ارتفاع الدين إلى استنزاف جزء متنامٍ من الموارد في خدمة الالتزامات المالية، ما قد يحد من القدرة على توجيه الإنفاق نحو قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، ويقلّص الاستعداد لمواجهة صدمات مستقبلية محتملة.
ويضيف أن تراكم الديون عند مستويات مرتفعة يشكل أيضاً عاملاً ضاغطاً على الاستقرار المالي، في ظل حساسية الأسواق لأي تغيّرات في أسعار الفائدة أو ثقة المستثمرين، وهو ما قد ينعكس في صورة تقلبات أكبر في أسواق السندات والعملات.
ويلفت الخفاجي إلى أن الأعباء المتزايدة للديون قد تمثل تحدياً أمام النمو الاقتصادي على المدى المتوسط، إذا ما حدّت من قدرة الحكومات على دعم الاستثمار أو اضطرتها إلى تبني سياسات مالية أكثر تشدداً، ما قد يؤثر بدوره على وتيرة التوسع في قطاعات استراتيجية وتقنيات ناشئة.
ويتابع أن هذه التطورات تترك بصماتها أيضاً على أسواق الصرف وتدفقات رؤوس الأموال، إذ قد تدفع المخاوف المرتبطة بمدى استدامة أوضاع المالية العامة في بعض الاقتصادات الكبرى المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم، بما يعزز التقلبات ويغيّر اتجاهات الاستثمار عالمياً.







