تفويض انتخابي قوي لتاكايتشي.. كيف يتأثر الاقتصاد الياباني؟
13:29 - 10 فبراير 2026
تفتح نتائج الانتخابات اليابانية الباب أمام مرحلة سياسية جديدة قد تحمل في طياتها تحولات مهمة في المسار الاقتصادي للبلاد، وسط ترقّب داخلي وخارجي لكيفية تعامل الحكومة مع تحديات النمو والتضخم والدين العام.
تضع هذه التطورات الأسواق المالية، وسوق السندات تحديداً، في موقع المراقب الحذر لأي توجهات مالية توسعية محتملة، في وقت تتزايد فيه حساسية المستثمرين تجاه مستويات الدين وارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً.
فيما قد لا يكون فوز الحزب الليبرالي الديمقراطي في انتخابات مجلس النواب يوم الأحد بمثابة تفويض لرئيسة الوزراء تاكايتشي للإنفاق ببذخ، بحسب تقرير لصحيفة "يابان تايمز"، التي ترجع ذلك إلى أن رئيسة الوزراء ستواجه على الأرجح ضغوطاً من المتشددين الماليين داخل الحزب، ومن سوق السندات الذي سيراقب كل تحركاتها.
ونتيجة لذلك، قد تضطر إلى اختيار مسار عملي فيما يتعلق بالسياسة المالية، ما قد يؤدي إلى إنفاق أقل مما كان يأمله الكثيرون، وأقل مما كان يخشاه البعض.
وينقل التقرير عن توموهيسا إيشيكاوا، وهو كبير الاقتصاديين في معهد البحوث الياباني، قوله:
▪ "عندما يحقق الحزب الليبرالي الديمقراطي فوزاً ساحقاً، فإنه يجلب معه مجموعة متنوعة من الناس، مما يجعل التنسيق الداخلي أكثر صعوبة".
▪ "مع الاتجاه التصاعدي لأسعار الفائدة طويلة الأجل، يتزايد عدد المتشددين في الإنفاق داخل الحزب. لذلك، لا أعتقد أنه سيكون من السهل تمرير إنفاق ضخم".
في انتخابات يوم الأحد، ارتفع عدد مقاعد الحزب الليبرالي الديمقراطي من 198 إلى 316 مقعداً في مجلس النواب الذي يضم 465 مقعداً، مما منحه أكبر أغلبية لأي حزب في اليابان ما بعد الحرب.
ومن المتوقع أن يكون اقتراح خفض ضريبة الاستهلاك قضية رئيسية ومثيرة للانقسام داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي.
سلطة واضحة
ونقل تقرير لصحيفة فايننشال تايمز عن محللين قولهم إن فوز ساناي تاكايتشي يعطيها سلطة واضحة على الحزب الليبرالي الديمقراطي، الذي يشهد تاريخاً من الانقسامات الداخلية.
▪ جاء قرار تاكايتشي بإجراء الانتخابات في وقت تتزايد فيه الضائقة الاقتصادية بين المواطنين اليابانيين العاديين غير الراضين عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية وركود الأجور.
▪ وقد دفعت الظروف الجيوسياسية المتدهورة، إلى جانب المخاوف المتزايدة بشأن التزام الولايات المتحدة بتحالفاتها القديمة، الناخبين نحو تاكايتشي، وهي قومية تقدم نفسها كمدافعة شرسة عن اليابان على الساحة العالمية.
وقال توبياس هاريس، المحلل السياسي ومؤسس منظمة "جابان فورسايت"، إن تاكايتشي ستشعر "بالانتصار"، مضيفاً: "لديها طموحات، وقد مُنحت تفويضاً ضخماً، ومن المرجح أن توجه قوتها ضد القيود المتبقية، مثل وزارة المالية".
وقال نيل نيومان، الخبير الاستراتيجي الياباني في شركة أستريس أدفايزوري، إن هذا الفوز يعني أن الحزب الليبرالي الديمقراطي قد عاد إلى موقع القيادة، وسيسرّع الاستثمار لدعم الاقتصاد.
فرصة نادرة
من جانبه، يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
▪ نتائج الانتخابات الأخيرة تمنح اليابان فرصة نادرة لتحقيق قدر أعلى من الاستقرار السياسي، وهو عامل محوري في تحسين التوقعات الاقتصادية.
▪ الولاية القوية للحكومة تتيح لها المضي قدماً في سياسات الدعم المالي الهادفة إلى تعزيز النمو، وتخفيف الأعباء عن الأسر، وتحفيز استثمارات الشركات.
▪ هذه العوامل من شأنها، على المدى القريب، دعم زخم الناتج المحلي الإجمالي حتى عام 2026، ولا سيما عبر الإنفاق الحكومي والإجراءات التي تحدّ من تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة على المستهلكين.
وفي السياق نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذه النتيجة الانتخابية تعزز النهج التدريجي في سياسة بنك اليابان، بدلاً من التحول المفاجئ، متوقعاً أن يبقى التضخم عند مستويات إيجابية ولكن تحت السيطرة، بما يسمح بتحسن الأجور والطلب المحلي دون الإضرار بالنمو الاقتصادي.
ويحذر في المقابل من أن استمرار الإنفاق المالي الكبير يُبقي الضغوط قائمة على الدين الحكومي، ويجعل الين أكثر حساسية لإشارات السياسة النقدية. ويخلص إلى القول إن المشهد العام يشير إلى بيئة مواتية للنمو مع تضخم معتدل، وتطبيع حذر للسياسة النقدية، وسط توتر مستمر بين طموحات النمو والقيود المالية طويلة الأجل التي تواجهها اليابان.
الين مقابل الدولار
فيما يتعلق بالين، فبحسب ما نقلته رويترز عن رئيس قسم هيكلة الأصول في أميركا الشمالية لدى شركة ماني غورب في نيوجيرزي، يوجين إبستين، فإن:
▪ "التحرك في اليابان يُعد بلا شك أحد العوامل التي تسهم في ضعف الدولار".
▪ "تاريخياً، أو على الأقل منذ العام الماضي، بات الوضع في اليابان يؤثر تأثيراً غير مباشر على أسواق أخرى، بل وحتى على فئات أصول أخرى".
وقال كبير مسؤولي شؤون النقد الأجنبي أتسوشي ميمورا إن الحكومة اليابانية "تراقب عن كثب تحركات العملة" بعد أن حقق ائتلاف تاكايتشي فوزاً تاريخياً في الانتخابات.
ومن العوامل التي أثرت سلباً على الدولار، في تعاملات الاثنين، الحديث عن توجه كبار المستثمرين نحو تنويع استثماراتهم بعيداً عن الأسواق الأميركية.
وذكرت بلومبرغ نيوز أن الجهات التنظيمية الصينية نصحت المؤسسات المالية بتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية، مما أدى إلى ارتفاع اليوان الصيني إلى أعلى مستوى له في 33 شهراً مقابل الدولار.
تفويض
وإلى ذلك، يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن:
▪ فوز ائتلاف رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي بأغلبية مريحة في البرلمان شكّل رسالة سياسية واضحة للأسواق، التي قرأت النتائج بوصفها تفويضاً لمرحلة جديدة من السياسات التوسعية.
▪ هذا الأمر انعكس سريعاً على أداء البورصة اليابانية، حيث قفز مؤشر نيكي 225 إلى مستوى قياسي متجاوزاً 56 ألف نقطة، مسجلاً مكاسب تقارب 4% في جلسة واحدة.
▪ هذا الصعود جاء مدفوعاً بتوقعات إطلاق حزمة تحفيز حكومية تشمل خفضاً مؤقتاً لضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية، وتوسيع الإنفاق على البنية التحتية، إلى جانب دعم الصناعات التكنولوجية والدفاعية.
▪ الين الياباني واصل تداوله عند مستوياته التي تعزز القدرة التنافسية للصادرات اليابانية، لا سيما في قطاعات السيارات والإلكترونيات، لكنه في المقابل يرفع كلفة الواردات ويزيد الضغوط التضخمية على المستهلكين، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.
ويتابع الخفاجي أن الحكومة تراهن على هذه السياسات لتحريك الطلب المحلي ورفع معدلات النمو بعد سنوات من الأداء الضعيف، إلا أن التحدي الهيكلي الأبرز يبقى الدين العام، ما يجعل نجاح المسار الاقتصادي الجديد مرهوناً بتحقيق توازن دقيق بين تحفيز النمو والحفاظ على الاستقرار المالي ومنع انفلات التضخم.
كما يوضح أن السياسة النقدية التيسيرية لبنك اليابان تضع الاقتصاد أمام مفارقة معقدة، إذ إن أي رفع حاد للفائدة قد يضغط على خدمة الدين ويبطئ وتيرة الاستثمار، في حين أن الإبقاء على الفائدة المنخفضة لفترة أطول قد يفاقم ضعف الين ويغذي التضخم المستورد.
ويختتم الخفاجي بالقول إن الحكومة تراهن كذلك على جذب استثمارات أجنبية إضافية في قطاعات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة النظيفة باعتبارها محركات نمو طويلة الأمد، غير أن نجاح هذه الرهانات يظل مرتبطاً بقدرة طوكيو على معالجة اختلالات سوق العمل، وعلى رأسها شيخوخة السكان وتراجع القوة العاملة، والتي تمثل أحد أبرز القيود البنيوية على نمو الاقتصاد الياباني خلال العقد المقبل.







