روسيا تحت وطأة العقوبات والحرب.. اقتصاد يصارع من أجل البقاء
11:23 - 24 يونيو 2026
في وقت تتزايد فيه التحذيرات من التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية، وتتحدث تقارير غربية عن دخول الاقتصاد الروسي مرحلة من الركود وتفاقم أعباء الإنفاق العسكري، تبرز مؤشرات أخرى تعكس صورة أكثر تعقيداً.
فبينما تتعرض البنية النفطية الروسية لهجمات متواصلة، وتزداد الضغوط على الموازنة العامة، لا تزال معدلات البطالة تدور حول مستوى 2 بالمئة، في مؤشر يثير تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الروسي على الحفاظ على الوظائف واستيعاب صدمات الحرب والعقوبات.
وفي هذا السياق، قدّم مدير مركز JSM للأبحاث والدراسات آصف ملحم، خلال حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، قراءة تفصيلية لمجمل العوامل التي أسهمت في الحد من آثار العقوبات الغربية والضغوط الاقتصادية، مع التركيز على دور قطاع الطاقة، والعلاقات الاقتصادية الشرقية، وقدرة موسكو على تمويل احتياجاتها الداخلية رغم تصاعد كلفة الحرب.
روسيا تتكيف مع العقوبات وتحافظ على النشاط الاقتصادي
يرى ملحم أن العقوبات الغربية تركت بالفعل آثاراً على الاقتصاد الروسي، وأن صناع القرار الاقتصادي والسياسي في موسكو يدركون ذلك بشكل واضح. إلا أنه يؤكد أن تأثير هذه العقوبات بدأ يتراجع تدريجياً مع مرور الوقت، نتيجة ما وصفه بتدرب روسيا على التعامل مع بيئة العقوبات والتكيف معها.
وبحسب تحليله، فإن هذا التكيف انعكس على قدرة الاقتصاد الروسي على الحد من التراجع الاقتصادي الذي بدأ منذ الأشهر الأولى من العام الجاري. فرغم الضغوط القائمة، بقي الانكماش عند حدود 0.3 بالمئة فقط وفق تقديرات وزارة التنمية الاقتصادية الروسية، بعدما نجحت موسكو في تعويض جزء مهم من الخسائر الناجمة عن الحرب والعقوبات.
ومن زاوية سوق العمل، فإن محدودية التراجع الاقتصادي تعني عملياً تجنب موجة واسعة من فقدان الوظائف، إذ إن استمرار النشاط الاقتصادي وتدفق الإيرادات ساعدا في الحفاظ على مستويات التشغيل وعدم انتقال الضغوط الاقتصادية إلى أزمة بطالة واسعة النطاق.
أسعار النفط تمنح موسكو متنفساً مالياً
يضع ملحم ارتفاع أسعار النفط في صدارة العوامل التي ساعدت روسيا خلال العام الحالي على احتواء الضغوط الاقتصادية. فبحسب تقديره، أسهمت الزيادة الأخيرة في أسعار الخام في تعويض جانب من التراجع الاقتصادي الذي كان يمكن أن يكون أكثر حدة لولا تحسن العائدات النفطية.
لكن الباحث الروسي لا يختزل المشهد في عامل الأسعار وحده، مشيراً إلى أن الاقتصاد الروسي لا يقوم بالكامل على الأسس الاقتصادية الغربية التقليدية، كما أن موسكو نجحت خلال السنوات الأخيرة في توسيع علاقاتها الاقتصادية مع دول الشرق، ولا سيما الصين والهند.
ويضيف أن التطورات المرتبطة بإيران أسهمت بدورها في تعويض جزء من الخسائر الروسية، بالتوازي مع تنامي التعاون الاقتصادي مع بكين. وفي هذا الإطار، يشير إلى عودة الزخم لمشروع "قوة سيبيريا" بعد فترة من التباطؤ، خصوصاً عقب زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى الصين، وهو ما يعكس استمرار الرهان الروسي على الأسواق الآسيوية لتعزيز الإيرادات ودعم النشاط الاقتصادي.
الهجمات على المنشآت النفطية تضرب قطاعاً حيوياً
رغم حديثه عن عوامل الصمود، لا يقلل ملحم من حجم الخسائر التي تعرض لها قطاع النفط الروسي نتيجة الهجمات الأوكرانية على المنشآت النفطية.
فوفق الأرقام التي استعرضها، بلغت الخسائر المباشرة في القطاع النفطي منذ بداية الحرب نحو تريليون روبل، أي ما يعادل قرابة 15 مليار دولار. وتشمل هذه الخسائر الأضرار التي لحقت بالمعدات والمنشآت، إضافة إلى تكاليف الصيانة والإصلاح وإعادة التأهيل.
ويصف معاناة القطاع النفطي بأنها كبيرة، مؤكداً أن الضربات الأوكرانية استهدفت معظم المنشآت الطاقية والنفطية في الجزء الأوروبي من روسيا، فيما بقيت محطتان رئيسيتان فقط في الشرق الأقصى خارج دائرة الاستهداف المباشر، هما محطتا أومسك وأنغارسك.
ومن منظور اقتصادي وتشغيلي، فإن استمرار تعرض البنية النفطية لهذه الضربات يفرض أعباء إضافية على الشركات العاملة في القطاع، ويؤثر على مستويات الإنتاج والتصدير، ما يجعل الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وسوق العمل أكثر ارتباطاً بقدرة موسكو على تعويض هذه الخسائر.
توازن بين الأسعار والكميات
يرفض ملحم تفسير الأداء الاقتصادي الروسي من خلال أسعار النفط وحدها، معتبراً أن الصورة أكثر تعقيداً.
فبحسب رؤيته، تمتلك روسيا قاعدة إنتاجية كبيرة تسمح لها بالموازنة بين متغيرين أساسيين: السعر والكمية. فإذا ارتفعت الأسعار أمكن تعويض جزء من انخفاض الصادرات الناتج عن الهجمات الأوكرانية، وإذا تراجعت الأسعار تمتلك روسيا كميات إضافية يمكن ضخها في الأسواق.
كما يشير إلى امتلاك موسكو ما يعرف بـ"أسطول الظل"، وهو ما يمنحها مرونة إضافية في إدارة صادراتها النفطية والمحافظة على تدفق الإيرادات، الأمر الذي يساعد في الحفاظ على التوازن الاقتصادي ويحد من انتقال الضغوط إلى سوق العمل.
تمويل العجز داخلياً يقلل المخاطر
وفي ما يتعلق بالعجز المالي، يقر ملحم بأن العجز في الموازنة الروسية ارتفع هذا العام بنحو مرتين ونصف مقارنة بالتقديرات السابقة، إلا أنه لا يرى في ذلك مؤشراً على أزمة وشيكة.
ويستند في ذلك إلى طبيعة هيكل الاقتراض الروسي، موضحاً أن نحو 85 بالمئة من الاقتراض يأتي من مصادر داخلية تشمل المؤسسات الخاصة وصناديق التقاعد، فيما لا تتجاوز حصة الاقتراض الخارجي 15 بالمئة.
ويرى أن قدرة المؤسسات الروسية على تمويل الجزء الأكبر من احتياجات الدولة تعكس وجود قاعدة اقتصادية ما تزال قادرة على استيعاب الضغوط، كما أنها توفر للحكومة أدوات للاستمرار في الإنفاق دون الوصول إلى مستويات يعتبرها كارثية.
الوظائف... المؤشر الأكثر دلالة على الصمود
في مجمل قراءته للمشهد الاقتصادي الروسي، يبرز ملف الوظائف باعتباره أحد أهم مؤشرات التماسك الاقتصادي. فرغم العقوبات الغربية، والهجمات على قطاع الطاقة، وارتفاع الإنفاق المرتبط بالحرب، يشير استمرار معدلات البطالة عند مستويات متدنية إلى أن الاقتصاد الروسي لم يشهد حتى الآن انهياراً واسعاً في النشاط الإنتاجي أو فقداناً جماعياً للوظائف.



