ما هي أبرز التحديات الاقتصادية أمام الحكومة المصرية الجديدة؟
20:25 - 11 فبراير 2026
يؤكد التشكيل الحكومي الجديد في مصر توجهاً واضحاً لإعادة ضبط البوصلة التنفيذية للدولة، عبر مزيج من الاستمرارية والتجديد، مع تركيز لافت على المجموعة الاقتصادية التي نالت نصيباً ملحوظاً من التغييرات.
ويحمل استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية دلالة مباشرة على تنسيق مركزي يستهدف توحيد السياسات المالية والنقدية والاستثمارية تحت مظلة واحدة أكثر انضباطاً وفعالية.
يأتي ذلك في وقت يفرض فيه الواقع الاقتصادي المحلي والدولي على الحكومة المصرية الجديدة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي –الذي تم تكليفه بتشكيل الحكومة لأول مرة في 7 يونيو 2018، وكان يشغل قبل ذلك منصب وزير الإسكان- حزمة من المهام والتحديات، تتصدرها ضرورة تسريع وتيرة النمو مع ضمان أن يتحول إلى تنمية شاملة تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
وتضع التكليفات الرئاسية أمام الفريق الاقتصادي اختباراً حقيقياً في إدارة الملفات الحساسة، وعلى رأسها خفض الدين العام، وضبط التضخم، وتعزيز دور القطاع الخاص، بالتوازي مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
التعديلات الجديدة
شهدت التشكيلة الوزارية الجديدة بقاء 15 وزيراً، إلى جانب 13 وزيراً جديداً، وسط تغير لافت في وزراء الملفات الاقتصادية.
تضمن التشكيل الوزاري الجديد تعيين حسين محمد أحمد عيسى (الذي شغل منصب رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب الأسبق، ورئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي للشركة المالية المصرية للصكوك السيادية) نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.
وفي التعديل الجديد، تم ضم وزارة التعاون الدولي مع وزارة الخارجية تحت قيادة السفير بدر عبد العاطي. فيما يتولى أحمد رستم حقيبة وزارة التخطيط.
شمل التشكيل الجديد أيضاً تعيين محمد فريد (الذي تولى مناصب اقتصادية مختلفة، من بينها رئاسة الهيئة العامة للرقابة المالية ورئاسة البورصة في وقت سابق) وزيراً للاستثمار.
أما حقيبة وزارة الصناعة فذهبت إلى خالد هاشم، وهو رئيس لجنة الطاقة بالغرفة التجارية الأميركية والرئيس الإقليمي لشمال أفريقيا في Honeywell. واستمر كامل الوزير وزيراً للنقل بعدما كان يحمل في التشكيل السابق حقيبتي النقل والصناعة معاً.
وتضمن التعديل كذلك تعيين رأفت هندي، وزيراً للاتصالات، وقد كان يشغل منصب نائب الوزير للبنية التحتية منذ 2019.
التنمية الاقتصادية
من جانبه، يقول مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية، الدكتور مصطفى أبو زيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- إن مصطلح "التنمية الاقتصادية" الذي ورد في خطاب التكليف الرئاسي يحمل دلالات عميقة ومهمة تعكس رؤية اقتصادية واضحة ومحددة الأولويات.. ثمة فارق جوهري بين مفهوم النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية.
- النمو الاقتصادي يركز على تحقيق زيادة في الناتج المحلي الإجمالي، وهو هدف مهم بلا شك، إلا أن التنمية الاقتصادية مفهوم أشمل وأعمق، إذ يتضمن إلى جانب النمو الاهتمام بالسياسات التوزيعية وضمان وصول ثمار هذا النمو إلى مختلف فئات المجتمع، بما يسهم في تحقيق تنمية اجتماعية حقيقية على مستوى الصحة والتعليم وخلق فرص عمل لائقة وتوفير دخول مناسبة وزيادة القدرة الشرائية للمواطنين.
ويؤكد وجود رؤية اقتصادية واضحة المعالم، خاصة مع استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ليكون مسؤولاً عن التنسيق والمتابعة داخل المجموعة الاقتصادية، بما يضمن صياغة سياسات متكاملة وآليات تنفيذ ومتابعة وتقييم فعّالة.
كما يشير إلى أن اختيار شخصية اقتصادية تجمع بين الخبرة الأكاديمية والتنفيذية يعزز من كفاءة الأداء الحكومي، لافتاً إلى أن وجود سردية وطنية للتنمية الشاملة، تتضمن ثلاثة سياقات لتحقيق المستهدفات الاقتصادية، يمثل إطاراً استراتيجياً مهماً خاصة فيما يتعلق بالسياسات الاستثمارية والتجارية والمالية وعلى مستوى مختلف القطاعات الاقتصادية.
وفيما يتعلق بأبرز التحديات والمهام أمام الحكومة الجديدة، يرصدها أبو زيد على النحو التالي:
أولاً: ملف الاستثمار في صدارة الأولويات
- من خلال العمل على زيادة حجم الاستثمار الأجنبي المباشر، وتعزيز الترابط بين السياسات الاستثمارية والصناعية عبر توطين الصناعات ذات القيمة المضافة.
- هذا التنسيق من شأنه زيادة مشاركة القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وتعزيز التدفقات الدولارية، ورفع حجم الإنتاج الموجه للتصدير، بما يدعم نمو الصادرات وخلق فرص عمل جديدة تسهم في خفض معدلات البطالة.
ثانياً: التصنيع المحلي
- ضرورة تعميق التصنيع المحلي عبر زيادة نسبة المكون المحلي في الإنتاج، بما يقلل الاعتماد على الواردات ويخفف الضغط على الدولار.
- يسهم ذلك في تحسين وضع الميزان التجاري وتقليص عجزه، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على استقرار سعر الصرف.
ثالثاً: إدارة ملف الدين العام بكفاءة:
- من خلال تنسيق فعّال بين السياسة المالية والنقدية، بهدف وضع الدين على مسار نزولي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعزز الحيز المالي للموازنة العامة.
- دراسة أي قرارات تتعلق بالسياسات الضريبية بعناية، حتى لا تؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج وارتفاع الأسعار، وهو ما قد ينعكس سلباً على جهود البنك المركزي في كبح التضخم ويدفع نحو رفع أسعار الفائدة، بما يزيد من تكلفة التمويل على المستثمرين.
رابعاً: ملف التضخم
- ملف التضخم وضبط الأسعار من التحديات الجوهرية، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة خلال العامين الماضيين، والتي أسهمت في تراجع معدل التضخم من 38 بالمئة في سبتمبر 2023 إلى 11.2 بالمئة في يناير 2026.
- من الضروري الاستمرار في هذا المسار، مع تعزيز آليات التنبؤ والإنذار المبكر لرصد الأزمات قبل وقوعها، والتعامل السريع معها خاصة في السلع ذات الطابع الموسمي أو التي تتأثر بممارسات احتكارية، بما يمنع تفاقم الضغوط السعرية ويحد من الحاجة إلى اللجوء للاستيراد كحل طارئ لزيادة المعروض في الأسواق.
تكليفات السيسي للحكومة
وتنتظر الحكومة الثالثة لرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مهام وتحديات واسعة، لا سيما المجموعة الاقتصادية التي نالت جانباً نصيباً وافراً من التكليفات الرئاسة المُعلنة عقب أداء اليمين الدستورية.
تضمنت التكليفات الرئيسية التي وجهها الرئيس السيسي للحكومة، محاور مختلفة شملت (الأمن القومي والسياسة الخارجية، علاوة على التنمية الاقتصادية، والإنتاج والطاقة والأمن الغذائي، المجتمع وبناء الإنسان).
ومن بين أبرز الملفات في الملف الاقتصادي:
- أولوية اهتمام المجموعة الاقتصادية بتحسين الوضع الاقتصادي باستمرار من خلال قيام نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية بالمشاركة في وضع الخطط المستقبلية والتنسيق بين أعضائها وتحقيق الانسجام بين مهامهم ومتابعة الأداء، خاصة وقد قاربت مدة برنامج صندوق النقد الدولي على الانتهاء آخر هذا العام، والتوجه نحو تخفيض حجم الدين العام بأفكار جديدة يجب أن تدرس بعناية فائقة من حيث سلامة إجراءاتها وإيجابية آثارها على المديين القريب والبعيد.
- مواصلة تنفيذ سياسة ملكية الدولة بخطوات ملموسة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في المجال الاقتصادي.
- ولوج مجالات جديدة لدعم الاقتصاد خاصة في التقنية والمعادن النادرة والصناعات المرتبطة بها وتشجيع الابتكارات وتمويل أبحاثها وتطبيقاتها.
عام جني الثمار
يشير رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إلى تصريحات سابقة لرئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولية، والذي صرح أن العام 2026 هو عام جني الثمار بالنسبة للمواطن المصري عناء ما تحمّله من الإصلاح الاقتصادي الذي تم خلال السنوات الماضية.
يضيف الشافعي: "آن الأوان أن نشهد ذلك بالفعل"، مشدداً على ضرورة أن يترجم هذا التعديل الوزاري وهذه الوزارة الجديدة كل هذه التحديات، ومعالجة الخلل الموجود، سواء في الميزان التجاري أو الموازنة العامة للدولة أو تفاقم الدين الخارجي والدين المحلي.
ويتابع: إذا كانت لديهم القدرة والرؤية الكاملة لتحقيق ذلك، فسيكون بالفعل هناك إيجابيات وتحسّن في المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري.. هذه التحديات هي التي نأمل معها استقرار أسعار السلع، وتوازن الأسعار في كل الأسواق على مستوى جمهورية مصر العربية.
ويستطرد: "آن الأوان أن يشعر المواطن بقيمة ما يتم تقديمه من خدمات وإمكانات من الحكومة المصرية لصالح المواطن المصري في الصحة والتعليم.. كل ذلك يجب أن يشمل توفير السلع الأساسية والاستراتيجية في حدود دخول المواطنين، بحيث لا يتم إرهاق المواطنين بأسعار السلع والمنتجات.. كما آن الأوان أن تكون لدى الحكومة الرؤية الكاملة والقدرة على تحقيق هذا التطور الإيجابي الذي يجب أن يكون لصالح الاقتصاد المصري في كل قطاعاته".















