كيف تتأثر سوق السندات باندفاع شركات التكنولوجيا نحو الـ AI؟
17:12 - 10 فبراير 2026
تُترجم اندفاعة شركات التكنولوجيا العملاقة نحو الذكاء الاصطناعي إلى موجة إنفاق رأسمالي هائلة تعيد تشكيل خريطة التمويل العالمية. ومع تضخم كلفة بناء مراكز البيانات وشراء الرقائق المتقدمة وتوسيع البنية التحتية السحابية، باتت أسواق الدين، وليس أسواق الأسهم، هي الوقود الرئيسي لتمويل هذه الطموحات، ما يضع سوق السندات في قلب قصة الذكاء الاصطناعي.
يفتح هذا التحول باباً واسعاً أمام تساؤلات جوهرية: كيف سيؤثر سيل الإصدارات الضخمة من سندات شركات التكنولوجيا على العوائد وهوامش الائتمان؟ وهل تستطيع السوق استيعاب هذا الحجم من الديون دون ضغوط على التسعير والسيولة؟ وبين التفاؤل بآفاق الذكاء الاصطناعي والمخاوف من تضخم المديونية، تتشكل معادلة جديدة تعيد رسم العلاقة بين الابتكار التكنولوجي واستقرار الأسواق المالية.
في هذا السياق، يشير تقرير لـ "بلومبيرغ" إلى استعداد أكبر شركات التكنولوجيا لإنفاق مبالغ على الذكاء الاصطناعي تفوق توقعات المستثمرين، بينما يتزايد خوف مديري الأموال من أن أسواق الائتمان ستتأثر مهما حدث.
- تتنافس شركات "مايكروسوفت" و"أوراكل" وغيرها من الشركات العملاقة في مجال الحوسبة السحابية على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتفوق على منافسيها في هذه التقنية التي يُمكن أن تُغير قطاعات واسعة من الاقتصاد.
- أعلنت شركة "ألفابت"، الشركة الأم لـ "غوغل"، أنها ستنفق ما يصل إلى 185 مليار دولار على مراكز البيانات هذا العام، وهو مبلغ يفوق ما استثمرته في السنوات الثلاث الماضية مجتمعة. أما شركة "أمازون"، فقد وعدت باستثمار أكبر بكثير يصل إلى 200 مليار دولار.
- سيأتي جزء كبير من هذه الاستثمارات من سوق سندات الشركات عالية الجودة، مما قد يؤدي إلى زيادة مبيعات الديون هذا العام أكثر مما توقعه المستثمرون.
ووفق التقرير، فكلما زاد اقتراض شركات التكنولوجيا، زاد الضغط المحتمل على تقييمات السندات. وتُعتبر هذه الأوراق المالية باهظة الثمن بالفعل وفقاً للمعايير التاريخية، حيث يتم تداولها بفروق أسعار قريبة من أضيق هوامشها منذ أواخر التسعينيات.
إلى جانب العرض والطلب، أثارت المخاوف المتزايدة بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث تغييرات جذرية اضطرابات في السوق؛ فمع إطلاق شركات مثل "أنثروبيك" لسلسلة متواصلة من الأدوات التي تستهدف الخدمات المهنية، من التمويل إلى تطوير البرمجيات، بدأ المستثمرون في تقدير التهديد الذي يمثله الذكاء الاصطناعي على شركات بأكملها.
عامل أساسي ومؤثر
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- قطاع الذكاء الاصطناعي أصبح عاملاً أساسياً ومؤثراً في سوق السندات العالمية، نظراً لحجم الاستثمارات الضخم الذي يتطلبه هذا القطاع في المرحلة الحالية.
- المرحلة السابقة من نمو شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى كانت تعتمد بشكل أساسي على التمويل الذاتي والربحية، سواء من خلال الأرباح التشغيلية أو عبر إصدارات محدودة من السندات وزيادات رأس المال.
- إلا أن المشهد بدأ يتغير بوضوح منذ الربع الأخير من عام 2025، حيث شهدنا اتجاهاً متزايداً نحو الاستدانة، سواء عبر الائتمان الخاص أو من خلال اللجوء المباشر إلى أسواق الدين.
ويشير إلى أن مستويات الفائدة المرتفعة الحالية تثير مخاوف حقيقية، خصوصاً في ظل عدم وضوح العوائد المستقبلية لبعض استثمارات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل هذا الاعتماد المتزايد على الديون عامل ضغط محتمل على الشركات العاملة في القطاع. ويضيف أن المخاطر لا تقتصر على الشركات الكبرى فقط، بل تمتد أيضاً إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي دخلت بقوة في هذا المجال، وهو ما انعكس في ارتفاع عوائد السندات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، حيث يطالب المستثمرون بعوائد مرتفعة تعويضاً عن مستوى المخاطر العالية.
ويتابع يرق أن أي إخفاق أو تباطؤ في نمو القطاع قد يؤدي إلى ضغوط حادة على سوق السندات، خاصة أن الدعامة الأساسية للتمويل في الوقت الراهن هي الاستدانة، في ظل استمرار ارتفاع معدلات التضخم وصعوبة خفض أسعار الفائدة في المدى القريب. ويختتم حديثه بالقول إن هذه العوامل مجتمعة قد تؤدي إلى ضغوط كبيرة على ربحية شركات الذكاء الاصطناعي، وقد تتسبب في حالات تعثر مالي أو تراجعات حادة في أداء بعض الشركات، إذا لم تتحقق العوائد المتوقعة من هذه الاستثمارات الضخمة.
سباق غير مسبوق
ودخلت شركة "ألفابت"، الشركة الأم لـ "غوغل"، و"أمازون"، و"ميتا"، وغيرها من شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، في سباق غير مسبوق للاستثمار في الذكاء الاصطناعي. ومن المتوقع أن يبلغ إجمالي ما ستستثمره هذه الشركات في الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات هذا العام 660 مليار دولار، ما يجعل هذا الاستثمار الأكبر في مجال التكنولوجيا منذ ظهور الإنترنت.
تكمن المشكلة في أن وتيرة الاستثمار تتجاوز القدرة على توليد السيولة النقدية؛ ففي الثامن من الشهر الجاري، ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن حتى أكثر الشركات ربحية في العالم تشهد تجاوزاً في نفقاتها الرأسمالية لتدفقاتها النقدية التشغيلية، مما دفع إلى تحليلات تشير إلى أن الإدارات مُجبرة على الاختيار بين خفض عوائد المساهمين، أو استنزاف الاحتياطيات النقدية، أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض وإصدار الأسهم.
خلال الأسبوعين الماضيين، أعلنت شركات "ألفابت" و"أمازون" و"ميتا" عن خطط استثمارية ضخمة متتالية في مجال الذكاء الاصطناعي، مما أثار ضجة في "وادي السيليكون"، فيما تتزايد التوقعات بأن يكون الذكاء الاصطناعي التوليدي أكبر موجة ابتكار منذ ظهور الإنترنت، لكن المستثمرين أعربوا عن قلقهم بشأن موعد تحول هذا الإنفاق الضخم إلى إيرادات.
توقع بنك "جيه بي مورغان" أن تُصدر شركات التكنولوجيا والإعلام سندات شركات ذات تصنيف استثماري بقيمة لا تقل عن 337 مليار دولار هذا العام، مشيراً إلى أن سباق الاستثمار الحالي في مجال الذكاء الاصطناعي يؤثر بشكل مباشر على سوق السندات.
اندفاع الشركات
يقول خبير أسواق المال والعضو المنتدب لشركة "أي دي تي" للاستشارات والنظم، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- اندفاع شركات التكنولوجيا الكبرى نحو الذكاء الاصطناعي لا يمكن اعتباره مجرد موجة تقنية عابرة، بل يمثل تحولاً هيكلياً عميقاً يعيد رسم الخريطة المالية العالمية، وتحديداً في سوق السندات، الذي أصبح الممول الرئيسي لطموحات الذكاء الاصطناعي الضخمة.
- هذا التحول بدأ بقرارات استراتيجية من عمالقة التكنولوجيا أو ما يُعرف بـ "Hyperscalers" مثل مايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا، التي تضخ استثمارات رأسمالية سنوية تصل إلى مئات المليارات من الدولارات لبناء مراكز بيانات عملاقة، وشراء الرقائق المتقدمة، وتوسيع البنية التحتية السحابية.
- ولتمويل هذه التكاليف الهائلة، لجأت الشركات إلى إصدار سندات ديون بأحجام قياسية غير مسبوقة، ما أدى إلى تدفق ضخم من الإصدارات الجديدة إلى سوق السندات.
- هذا السيل من الإصدارات خلق ضغطاً هيكلياً على السوق، إذ إن الزيادة الكبيرة في معروض سندات الشركات عالية التصنيف أدت إلى حالة من المزاحمة مع سندات الخزانة الحكومية، وهو ما يسحب السيولة من السوق ويرفع العوائد العامة وتكلفة الاقتراض على مختلف القطاعات، وليس على شركات التكنولوجيا وحدها.
- كما بدأت تظهر تأثيرات مباشرة على هوامش العائد التي كانت ضيقة لفترة طويلة، لكنها اتجهت إلى الاتساع مؤخراً، مع مطالبة المستثمرين بعلاوة مخاطر أعلى، خصوصاً في ظل تحول نماذج أعمال شركات التكنولوجيا من شركات خفيفة الأصول إلى شركات كثيفة الإنفاق الرأسمالي، ما يجعل ميزانياتها أكثر حساسية لأي صدمات اقتصادية أو تمويلية.
ويشير سعيد إلى أن التأثير لم يقتصر على السندات التقليدية، بل امتد إلى ظهور هياكل تمويلية مبتكرة وأكثر تعقيداً، مثل السندات المدعومة بأصول مراكز البيانات، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على السندات الخضراء، التي سجلت بدورها مستويات قياسية، في ظل الاستهلاك الضخم للطاقة من قبل مراكز البيانات وسعي الشركات لإثبات التزامها بالمعايير البيئية. ونتيجة لذلك، ارتفع الوزن النسبي لقطاع التكنولوجيا بشكل متسارع داخل مؤشرات السندات العالمية، مع احتمالات بأن يتجاوز قطاعات تقليدية مثل البنوك أو المرافق، في مشهد يعيد إلى الأذهان حقبة سيطرة شركات الاتصالات على أسواق الدين في الماضي.
ويلفت إلى وجود قلق متزايد بشأن عدم تطابق العوائد المتوقعة مع حجم التكاليف، إذ تقوم الشركات بالاستدانة بآجال طويلة لتمويل تقنيات تتغير بوتيرة سريعة، ما يخلق مخاطر عدم تطابق الآجال، فضلاً عن مخاطر تقادم التكنولوجيا. وتنعكس هذه المخاوف في سوق الائتمان من خلال ارتفاع الطلب على عقود الحماية من التعثر كأداة تحوط ضد احتمال ألا يحقق الذكاء الاصطناعي العوائد المرجوة، وهو سيناريو يعيد للأذهان فقاعة "الدوت كوم" في تسعينيات القرن الماضي، حين سبق حجم الإنفاق الضخم تحقيق الأرباح الفعلية.
وعلى المستوى الكلي، يوضح أن هذا الإنفاق يدعم النمو الاقتصادي، لكنه في المقابل قد يدفع البنوك المركزية إلى تأجيل قرارات خفض أسعار الفائدة، ما يضغط على أسعار السندات طويلة الأجل. وفي حال حدوث أي تباطؤ في نمو الإيرادات أو صدمة اقتصادية مفاجئة، قد نشهد موجة تصحيح حادة وإعادة تسعير واسعة للمخاطر، لن تقتصر آثارها على السوق الأميركية فحسب، بل ستمتد إلى الأسواق الناشئة وتدفقات رؤوس الأموال العالمية، التي تتأثر بشكل مباشر بحركة عوائد سندات الخزانة الأميركية.
ويعتقد سعيد بأن العلاقة بين قطاع التكنولوجيا وسوق السندات أصبحت علاقة مصيرية، حيث تحولت السندات إلى مقياس حقيقي لثقة المستثمرين في مستقبل الذكاء الاصطناعي وقدرته على تحقيق أرباح مستدامة قادرة على تغطية جبل الديون المتراكم لتمويل هذه الطموحات.













