"تجارة إضعاف الدولار" تشعل الذهب والفضة عالمياً
15:47 - 27 يناير 2026تتصاعد موجة غير مسبوقة من الإقبال على المعادن النفيسة في الأسواق العالمية، مع اندفاع المستثمرين نحو الذهب والفضة بوتيرة تعكس تحوّلاً عميقاً في خريطة الثقة بالأصول التقليدية، وعلى رأسها الدولار الأميركي.
تتوزع العوامل الضاغطة على النظام المالي الدولي، من توترات جيوسياسية مفتوحة، إلى سياسات نقدية مضطربة، وصولاً إلى تصاعد الحديث عن إعادة هيكلة الاحتياطيات العالمية بعيداً عن العملة الأميركية. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تعود المعادن النفيسة لتتقدم الصفوف كملاذات آمنة في أوقات الضبابية وعدم اليقين.
وفي هذا السياق، يتحوّل الطلب على الذهب والفضة من تحوّط استثماري تقليدي إلى رهان استراتيجي طويل الأجل، تقوده البنوك المركزية وصناديق الاستثمار إلى جانب المستثمرين الأفراد، في ظل تزايد الشكوك حول استقرار النظام المالي العالمي.
يشير تقرير لـ "واشنطن بوست" إلى أن:
- موجة الصعود القياسية في المعادن النفيسة في الفترة الأخيرة تأتي في وقت يعمد فيه المستثمرون حول العالم إلى تنويع استثماراتهم بعيداً عن الدولار الأميركي، في ظاهرة تُعرف باسم "تجارة إضعاف العملة".
- قفزت أسعار المعادن النفيسة بقوة يوم الاثنين، حيث واصل الذهب تحطيم الأرقام القياسية متجاوزاً 5100 دولار للأونصة (خلال التعاملات)، فيما قفزت الفضة إلى مستويات غير مسبوقة، مع تزايد إقبال المستثمرين على الأصول الملموسة كوسيلة للتحوط من التوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين الاقتصادي.
- ارتفع الذهب بنسبة 2.4 بالمئة في بورصة السلع "كومكس" في نيويورك قبل أن يتراجع قليلاً، بعد أن كان قد اخترق مستوى 5000 دولار لأول مرة في اليوم السابق. أما الفضة، التي تُعرف بتقلباتها الأكبر، فقد قفزت بنسبة 14.6 بالمئة يوم الاثنين لتتجاوز 116 دولاراً للأونصة قبل أن تقلص مكاسبها. وقد تضاعفت قيمة المعدن الأبيض أكثر من ثلاث مرات خلال العام الماضي.
- يقول محللون إن الارتفاع في كلا المعدنين يعكس تحولاً أوسع بعيداً عن الأصول المقومة بالدولار، في إطار ما يُعرف بـ"تجارة إضعاف العملة".
ونقل التقرير عن المتداول في المعادن والذي عمل لدى "جيه بي مورغان" ومؤسسات مالية أخرى، بوب غوتليب، قوله:
- "هذه ليست موجة مضاربية عابرة.. بل موجة صعود قائمة على أسس جوهرية تتعلق بإزالة الدولرة من العالم".
- "تسعى البنوك المركزية إلى حماية نفسها من السياسات الأميركية، وربما من عدم القدرة على التنبؤ بما ستفعله الولايات المتحدة."
ورفعت العديد من البنوك المركزية مشترياتها من الذهب في عام 2022 مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، وتسارعت وتيرة الشراء في أوائل 2025 مع تسبب الحروب التجارية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب في اضطراب الأسواق العالمية.
تجددت هذه المخاوف في الأسابيع الأخيرة مع تبني إدارة ترامب نهجاً أكثر تشدداً في السياسة الخارجية، شمل القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية عسكرية، وتهديد قادة أوروبيين بشأن مطالب أميركية بضم غرينلاند. وقد شهدت الأسهم الأميركية والعالمية عمليات بيع قبل أن تستقر مع هدوء نسبي في التوترات الجيوسياسية.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، هدد ترامب كندا بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 بالم’ "فوراً" إذا أبرمت أوتاوا اتفاقاً تجارياً مع الصين، رغم أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني كان قد أعلن الاتفاق قبل أسبوع، ونال في البداية إشادة من ترامب.
ولم تقتصر المكاسب على الذهب والفضة؛ إذ ارتفعت أسعار النحاس أيضاً بعد فرض إدارة ترامب رسوماً جمركية بنسبة 50 بالمئة على المنتجات النهائية في يوليو. كما صعدت العقود الآجلة للبلاتين والبلاديوم - المستخدمين في المحولات الحفازة للسيارات ومنتجات صناعية أخرى- بأكثر من 25 بالمئة منذ بداية العام.
تطور استثنائي
يقول الخبير الاقتصادي، ريمون نبيل، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- ما شهده الذهب خلال العام العام الماضي يُعد تطوراً استثنائياً لم يتكرر منذ العام 1979، وتحديداً منذ أزمة الطاقة والنفط التي رافقت الأحداث في إيران آنذاك.
- ما حدث في عام 2025 يختلف جذرياً، حيث صعد الذهب من مستويات 2600 دولار للأونصة ليغلق العام قرب 4400 دولار، محققاً مكاسب نحو 66 بالمئة خلال عام واحد، وهو صعود غير مسبوق مقارنة بالأزمات السابقة مثل جائحة كورونا أو الحرب في أوكرانيا.
- هذا الارتفاع القوي (والمستمر) يعود إلى مجموعة من العوامل المتشابكة؛ أبرزها تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، والمخاوف العميقة من ركود اقتصادي عالمي، إلى جانب التحول الكبير في سياسات البنوك المركزية، التي بدأت تتجه بشكل واضح إلى زيادة حيازاتها من الذهب كبديل عن الدولار.
ويتابع نبيل أن هذه الظاهرة تمثل تحولًا تاريخيًا في سوق الذهب، حيث لم تعد البنوك المركزية، سواء في الاقتصادات الكبرى أو بعض الأسواق الناشئة، تعتمد بشكل أساسي على الاحتياطي النقدي بالدولار، بل اتجهت إلى الذهب كأداة تحوط رئيسية، في ظل استمرار تراجع مؤشر الدولار.
ويؤكد أن الذهب لا يزال يحظى بطلب قوي عند أي تراجع سعري، نتيجة كونه جزءًا من سياسة دولية طويلة الأجل لإعادة هيكلة الاحتياطيات، خاصة مع استمرار التصريحات الأميركية المثيرة للجدل، وتصاعد تضارب المصالح بين القوى الكبرى، وهو ما يعزز مناخ عدم اليقين العالمي.
وحول التوقعات المستقبلية، يوضح نبيل أن تجاوز الذهب لمستويات 5000 دولار للأونصة "قد يكون صعب الاستمرار"، مرجحاً احتمالات تصحيح قد تمتد إلى مناطق 4900–4950 دولار، وربما 4600 دولار في حال حدوث تصحيح أعمق، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن أي هبوط سيقابله طلب شرائي قوي من قبل البنوك المركزية.
ويختم بالقول إن الاستثمار في الذهب قرب مستويات 5120 دولاراً يُعد عالي المخاطر حالياً؛ نظراً لأن العائد المتوقع لا يتجاوز 8–9 بالمئة، مقابل احتمالات هبوط قد تصل إلى 12 بالمئة، ما يجعل قرار الشراء في هذه المناطق غير جذاب مقارنة بالمكاسب التي تحققت خلال الأعوام السابقة، وفق تحليله.
رفع بنك غولدمان ساكس توقعاته لسعر الذهب بحلول نهاية عام 2026 إلى 5400 دولار للأونصة مقابل توقعات سابقة بوصوله إلى 4900 دولار للأونصة، وأرجع هذا إلى تنويع استثمارات القطاع الخاص والبنوك المركزية في الأسواق الناشئة.
تهديدات ترامب
وفي السياق، نقل تقرير لرويترز عن كبير محللي السوق في شركة KCM Trade تيم ووترر، قوله:
- إن نهج ترامب السياسي المزعزع للاستقرار هذا العام يصب في مصلحة المعادن الثمينة كملاذ آمن.
- التهديدات بفرض تعريفات جمركية أعلى على كندا وكوريا الجنوبية كافية للحفاظ على الذهب كخيار ملاذ آمن.
مما زاد الأمور غموضاً من الناحية الجيوسياسية، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الاثنين إنه سيرفع الرسوم الجمركية على واردات السيارات والأخشاب والأدوية الكورية الجنوبية إلى 25 بالمئة، بينما انتقد سيول لفشلها في إبرام اتفاقية تجارية مع واشنطن.
جاء ذلك بعد أن هدد بفرض تعريفات جمركية على كندا في ظل تحسن العلاقات بين البلدين، عقب زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصين في وقت سابق من هذا الشهر.
وأضاف ووترر:
- "لقد أدى تدخل المسؤولين الأميركيين واليابانيين لتثبيت الين إلى إضعاف الدولار وكان بمثابة نعمة لسعر الذهب".
- في حين تعرض الدولار لمزيد من الضغط بسبب الإغلاق الحكومي الأمريكي الوشيك وسياسات ترامب المتقلبة، مما أدى إلى انخفاض سعر الذهب بالدولار بالنسبة للمستهلكين في الخارج.
عوامل رئيسية
من جانبها، تقول خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- أسعار الذهب والفضة تشهد ارتفاعاً متسارعاً خلال الفترة الحالية، مدفوعة بعدة عوامل رئيسية، في مقدمتها التوترات الجيوسياسية المتصاعدة على مختلف الأصعدة، والنزاعات الدولية المنتشرة حول العالم، إلى جانب تصاعد المخاوف من احتمالات توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران.
- الضغوط الاقتصادية والنقدية تلعب دوراً محورياً في هذا الصعود، في ظل التراجع المستمر في الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية، إلى جانب الضعف المتواصل في قوة الدولار.
- كما أن هناك توجهاً من بعض البنوك المركزية لممارسة ضغوط بيعية على الدولار، في إطار محاولات الحد من النفوذ والأطماع الأميركية، لا سيما تجاه دول الاتحاد الأوروبي.
وتضيف أن معادلة العرض والطلب تمثل عاملًا أساسيًا في دعم الأسعار، حيث يشهد الذهب طلباً قوياً للغاية، سواء باعتباره ملاذًا آمناً أو لدخوله في العديد من الاستخدامات الصناعية، وهو ما ينطبق أيضًا على الفضة في السياق ذاته، الأمر الذي يدفع المعدنين إلى تسجيل ارتفاعات متتالية.
- تلقت الفضة دعماً من تزايد استخداماتها الصناعية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الألواح الشمسية ومشاريع مراكز البيانات.
- شهد الذهب والفضة أيضاً إقبالاً متزايداً من المستثمرين الأفراد الراغبين في الاستفادة من موجة الصعود، حيث أضافت الصناديق الاستثمارية المدعومة بالذهب في أميركا الشمالية نحو 51 مليار دولار في 2025، وهو رقم قياسي، بحسب مجلس الذهب العالمي.
وتتابع رمسيس أن اهتمام البنوك المركزية حول العالم بتكوين احتياطيات تاريخية من الذهب يعزز من الاتجاه الصعودي للأسعار، وذلك في إطار سعي هذه الدول إلى ضمان استقرار عملاتها وتقليل الاعتماد على الدولار، خاصة مع التوقعات باستمرار تراجع قيمته خلال الفترة المقبلة.
وتختم خبيرة أسواق المال تصريحها بالإشارة إلى أن التوقعات المستقبلية لعدد كبير من المحللين والمستثمرين عالميًا ترجح إمكانية وصول سعر أونصة الذهب إلى نحو 6000 دولار بحلول نهاية عام 2026، مع توقعات بارتفاعات متتالية في أسعار الفضة، التي عادت لتجذب اهتمام المستثمرين بعد القفزات التاريخية التي سجلها الذهب.



