لماذا يتوقع مورغان ستانلي اتساع نطاق صعود الأسهم الأميركية؟
14:37 - 16 يونيو 2026تشهد أسواق المال العالمية حالة من إعادة ترتيب الأوراق، مدفوعة بالإعلان الرسمي عن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء أشهر من الصراع.
هذا التطور انعكس على الأرض من خلال بدء الترتيبات لإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وإنهاء الحصار البحري، مما أدى فوراً إلى هبوط في أسعار النفط وتخفيف الضغوط التضخمية، الأمر الذي يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي هامش مناورة أوسع في سياساته النقدية المقبلة.
وفي خضم هذه الأجواء الإيجابية، برزت قراءة تحليلية لخبراء مؤسسة "مورغان ستانلي"، تؤكد أن الزخم القادم في وول ستريت لن يقتصر على عمالقة التكنولوجيا فحسب، بل سيمتد ليعيد إحياء قطاعات اقتصادية دورية ظلت متوارية عن الأنظار.
ويفتح هذا المشهد المتسارع الباب واسعاً أمام قراءة مآلات السوق في مرحلة ما بعد الاتفاق، ويدفع إلى طرح تساؤلات جوهرية: هل تدفع الانفراجة الجيوسياسية الأسهم الأميركية نحو قمم قياسية جديدة؟ ولماذا يتوقع مورغان ستانلي اتساع نطاق صعود الأسهم الأميركية؟ وهل نشهد تحولاً استراتيجياً للمستثمرين نحو الأسهم الأرخص في وول ستريت؟
رهانات على زخم عالمي جديد
ساهمت التطورات السياسية الأخيرة في تعزيز شهية المخاطرة لدى المستثمرين، الأمر الذي دفع بمؤشر "S&P 500" ليقترب من تسجيل مستويات تاريخية جديدة، حيث بات على بُعد نحو 2 بالمئة فقط من ذروته القياسية السابقة، بحسب تقرير نشرته "بلومبرغ" واطلعت عليه سكاي نيوز عربية.
واقترن هذا الانتعاش برهانات واسعة من قِبَل الخبراء الاستراتيجيين على ولادة زخم جديد يغذي موجة صعود الأسهم العالمية، بما في ذلك الأسواق الأوروبية.
وأوضح التقرير أن التراجع الراهن في أسعار الطاقة سيلعب دوراً محورياً في كبح مخاطر التضخم، مما يؤدي بالتبعية إلى تخفيف الضغوط المفروضة على صناع السياسة النقدية في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ويقلل من حاجتهم للجوء إلى خيار رفع أسعار الفائدة.
حوافز اتساع السوق ودور القطاعات الدورية
وفي سياق هذا المشهد المتفائل، يتوقع الفريق الاستراتيجي في بنك "مورغان ستانلي"، بقيادة مايكل ويلسون، أن تتلقى سوق الأسهم الأميركية دفعة إضافية قوية نتيجة لتحول السيولة نحو الصناعات الدورية والحساسة اقتصادياً، والتي كانت قد تخلفت عن الركب خلال فترة حرب إيران.
وأشار التقرير إلى أن رصد زيادة في حركة المرور عبر مضيق هرمز، إلى جانب ظهور أدلة على تراجع وطأة الضغوط التي كانت تفرضها أسعار الفائدة المرتفعة وأسعار النفط والدولار القوي على الأسهم، يشكلان معاً المحرك الأساسي لهذا الاتساع المرتقب.
وذكر ويلسون أن الهبوط الأخير الذي شهدته الأسهم الأمريكية، وخصوصاً في قطاع رقائق الذاكرة، يعود إلى تباطؤ مؤقت في زخم الأرباح وليس لضعف في الركائز الأساسية، مؤكداً أن مثل هذه التراجعات تعد ظاهرة طبيعية وشائعة في الأسواق الصاعدة المدفوعة بالأرباح والقوية في ركائزها.
تدوير السيولة ومواقف البنوك العالمية
بناءً على هذه المعطيات، جدد ويلسون موقفه الإيجابي والمشجع حيال القطاعات الدورية التي لا تزال المراكز الاستثمارية والمعنويات تجاهها حذرة وهادئة رغم أدائها المتفوق الأخير مقارنة بمؤشر"S&P 500"، مثل قطاع النقل، والبنوك الإقليمية، والسلع الاستهلاكية الكمالية، إذ يرى الاستراتيجيون أن تراجع الضغوط قد يجذب هذه الأسهم الأرخص سعراً لتولي قيادة السوق التي احتكرتها أسهم التكنولوجيا عالية النمو لتركز ثقل القيادة فيها.
وفي هذا الإطار، وافق ميسلاف ماتيجكا، استراتيجي الأسهم العالمية في "جي بي مورغان تشيس وشركاه"، هذه الرؤية المتفائلة، لافتاً إلى أن التدوير والتحول نحو الأسهم الدورية يمثل استراتيجية رابحة حتى نهاية العام الجاري، شريطة استقرار الأرباح والتضخم وتهدئة التوترات الجيوسياسية.
وفي المقابل، أغلق ماكسيميليان أولير، رئيس استراتيجية الأسهم الأوروبية في "دويتشه بنك"، مراكز تجارية كانت تفضل الأسهم الأميركية على الأوروبية، مبرراً ذلك باحتمالية بدء انحسار المحركات الأساسية للتفوق الأميركي، المتمثلة في قيادة قطاع التكنولوجيا ونمو الأرباح القوي.
زخم المؤشرات وتكامل العوامل الاقتصادية
في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عر بية" قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد جميل الشبشيري: "التحسن النسبي في التوترات الجيوسياسية، انعكس بشكل مباشر على شهية المخاطرة في الأسواق. فالاتفاق الأميركي الإيراني أدى إلى قفزات ملحوظة في المؤشرات. إذ يتحرك مؤشر S&P 500 حالياً بالقرب من قممه التاريخية، بفارق 2 بالمئة عن أعلى مستوى مسجل، مما يعكس حالة تسعير التفاؤل في الأسواق، أكثر من كونه صعوداً تقليدياً مدفوعاً بالأساسيات وحدها. وسجلت العقود الآجلة للمؤشرات الأميركية ارتفاعات قوية في تداولات الإثنين، ليصعد مؤشر داو جونز الصناعي 1.08 بالمئة، وS&P 500 بنسبة 1.27 بالمئة، و ناسداك المركب 2.07بالمئة.
هذا الصعود لا يعتمد على السياسة وحدها. فقد ساعد تراجع أسعار الطاقة نسبياً، إذ هوت أسعار النفط نحو 5 بالمئة ليستقر خام برنت حول 83 دولاراً للبرميل، واستقرار عوائد السندات في تخفيف الضغوط التضخمية. هذا بدوره خفف من توقعات التشديد النقدي الإضافي من جانب الاحتياطي الفيدرالي وهو عامل يدعم الأسهم تاريخياً في المدى المتوسط. كما ارتفع الذهب بنسبة 3 بالمئة ليصل إلى 4,366 دولاراً للأونصة، مدفوعاً بتراجع المخاوف التضخمية، بحسب الشبشيري، الذي أكد أن الانفراجة الجيوسياسية ليست المحرك الوحيد، بل تعمل كمسرّع لموجة صعود كانت مدعومة بتوقعات الأرباح والسيولة.
ورداً على سؤال، لماذا يتوقع مورغان ستانلي اتساع نطاق صعود الأسهم الأمريكية؟ قال الدكتور الشبشيري: "وفقاً لتحليل مورغان ستانلي فالسوق الأميركية تمر بمرحلة تركز غير طبيعي في عدد محدود من أسهم التكنولوجيا عالية النمو. هذا التركز خلق فجوة أداء واضحة بين عمالقة النمو وبقية السوق. لكن المؤشرات الأخيرة تظهر بداية تحول تدريجي نحو قطاعات مثل السلع الاستهلاكية الحساسة للدورة الاقتصادية، وأسهم النقل، والبنوك الإقليمية".
وأوضح أن التوقع الأساسي لديهم يستند إلى فكرة أن تأثير ارتفاع الفائدة والدولار بدأ يتراجع تدريجياً، وأن أسعار الطاقة لم تعد تضغط بنفس القوة السابقة، وأن زخم أرباح شركات التكنولوجيا قد يتباطأ نسبياً بعد موجة قوية. وهذا يفتح الباب أمام اتساع موجة الصعود بدلاً من بقائه محصوراً في عدد محدود من الشركات.
اتجاهات الاستثمار المباشر
وفي رده على سؤال فيما إذا كنا نشهد تحولاً استراتيجياً نحو الأسهم الأرخص في وول ستريت قال الشبشيري: "الإجابة في الأسواق الحالية تميل إلى: نعم، ولكن بشكل تدريجي وليس حاد. تشير البيانات السوقية خلال 2025–2026 إلى تحسن ملحوظ في أداء الأسهم ذات القيمة مقارنة بأسهم النمو، وارتفاع اهتمام المستثمرين بالقطاعات الدورية مع توقعات هبوط التضخم، وزيادة في إعادة التوازن داخل المحافظ الاستثمارية بعد سنوات من هيمنة التكنولوجيا".
ويعزز هذا الاتجاه نشاط الاكتتابات العامة، إذ تشير اتجاهات السوق هذا العام إلى عودة قوية لعمليات الطرح، خاصة في شركات التكنولوجيا المتقدمة، والبنية التحتية الرقمية، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة. وتجلى ذلك في الأداء القوي لشركة “سبيس إكس” التي واصلت ارتفاعها بنسبة 5% بالمئة بالمئة في تداولات الإثنين بعد طرحها التاريخي يوم الجمعة الماضي، لتتجاوز قيمتها السوقية 2.1 تريليون دولار، مما جعل إيلون ماسك أول تريليونير في العالم، طبقاً لما قاله الشبشيري، الذي يرى أن عودة الاكتتابات عادة تعني شيئاً واحداً في وول ستريت: تحسن شهية المخاطرة وعودة السيولة للأسواق الخاصة والعامة معاً.
ماذا يعني صعود الاكتتابات الجديدة؟
وذكر الخبير الاقتصادي الدكتور الشبشيري أن الطفرة في الطروحات الأولية لا تحدث عادة في بيئة حذرة، بل في مراحل متقدمة من الدورة الصعودية. وأضاف: "تاريخياً، عندما ترتفع وتيرة الاكتتابات، تزداد السيولة في السوق، وتتوسع قاعدة المستثمرين، ويبدأ رأس المال بالبحث عن فرص خارج الأسهم القيادية التقليدية. وهذا يتماشى مع رؤية بيوت استثمار كبرى، منها جي بي مورغان تشيس وشركا التي تتوقع استمرار التحول نحو القطاعات الدورية حتى نهاية العام، إذا استقرت التوترات الجيوسياسية وظل التضخم تحت السيطرة".
وخلص الدكتور الشبشيري إلى أن السوق الأميركية ليست بصدد قفزة واحدة نحو القمة، بل أمام ثلاث ديناميكيات متداخلة:
- تفاؤل جيوسياسي يدعم المعنويات، مدعوماً باتفاق السلام الأميركي الإيراني.
- تحول داخلي في قيادة السوق من التكنولوجيا إلى القطاعات الدورية.
- عودة قوية للاكتتابات تعكس اتساع السيولة، كما يتضح من نجاح طرح “سبيس إكس”.
وختم بقوله: "النتيجة المحتملة ليست فقط قمم جديدة، بل سوق أكثر اتساعاً وتنوعاً في القيادة، وهو ما تعتبره المؤسسات الكبرى مثل مورغان ستانلي المرحلة التالية الطبيعية بعد سنوات من التركز العالي في أسهم النمو".
آليات السوق ومحركات الانتعاش الاقتصادي
وقال الخبير الاقتصادي علي حمودي في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": "ساهمت الانفراجة الجيوسياسية مع بداية هذا الأسبوع، في دفع الأسهم الأميركية بقوة نحو مستويات قياسية جديدة. وقد أدى اتفاق السلام الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، الذي يُتوقع أن يفتح مضيق هرمز ويخفف التوترات الإقليمية، إلى ارتفاع مباشر في العقود الآجلة الأميركية والأسواق العالمية".
وأوضح حمودي أن آليات السوق الرئيسية وراء هذا الارتفاع تشمل ما يلي:
- انخفاض أسعار الطاقة: تراجعت أسعار خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط بنحو 5 بالمئة، لتصل إلى حوالي 80 دولاراً للبرميل، مع تزايد المخاوف بشأن الإمدادات نتيجةً لاحتمالية عودة خطوط الشحن إلى وضعها الطبيعي.
- انحسار مخاوف التضخم: ساهم انخفاض أسعار النفط وتكاليف النقل في تخفيف الضغوط التي دفعت التضخم في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، مسجلاً 4.2 بالمئة في مايو، مما أعطى دفعة قوية لمعنويات السوق بشكل عام.
- تخفيف ضغوط رفع أسعار الفائدة: مع انحسار مخاوف التضخم، يعيد المستثمرون تقييم المخاطر العالمية لرفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة بشكل حاد، مما يفتح المجال أمام بيئة نقدية أكثر ملاءمة.
واعتبر حمودي ذلك السبب الرئيسي وراء توقع مورغان ستانلي أن يتسع نطاق ارتفاع سوق الأسهم ليشمل قطاعات أرخص وأقل شهرة، متجاوزاً بذلك نطاق أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة.
ملامح التحول التكتيكي ومخاطر "النشوة المؤقتة"
ورداً على سؤال فيما إذا كنا نشهد تحولاً استراتيجياً من جانب المستثمرين نحو الأسهم الأرخص في وول ستريت أجاب حمودي: "الإجابة هي نعم"، ويرى أن وول ستريت تشهد تحولاً واضحاً حيث ينتقل المستثمرون من أسهم الشركات العملاقة المبالغ في تقييمها إلى أسهم القيمة الأرخص التي لم تعد رائجة، بالإضافة إلى الأسهم الدولية التي لم تحظ بالاهتمام الكافي".
وأرجع الخبير الاقتصادي حمودي هذا التحول التكتيكي إلى البحث عن الأمان وتحسين هوامش التقييم بعد الارتفاعات الكبيرة في السوق، لافتاً إلى أن هذا التحول الاستراتيجي يتضمن عدة اتجاهات هي:
- البحث عن الأسهم ذات الأسعار المخفضة: مدفوعاً بمخاوف التقييم وتزايد التقلبات، يبحث المستثمرون بشكل متزايد عن أسهم ذات أساسيات قوية ولكنها رخيصة تاريخياً (أسهم القيمة) للحد من مخاطر الخسارة.
- التنويع العالمي: تتدفق رؤوس الأموال خارج الأسواق الأميركية شديدة التركيز، متجهة نحو الأسواق العالمية بحثاً عن فرص استثمارية أكثر جاذبية وأقل تكلفة.
- تباين القطاعات: بينما قادت شركات التكنولوجيا العملاقة السوق لسنوات، اتسع نطاق الارتفاع، مما أتاح للقطاعات المتضررة فرصة للنمو مع إعادة تموضع رؤوس الأموال.
ومع ذلك أشار حمودي إلى أن الأسواق كانت ولا تزال تتفاعل بسرعة. فقد انخفضت أسعار النفط وارتفعت الأسهم بعد اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران، في حين تراجع الدولار إلى أدنى مستوى له في عشرة أيام. ويرى أن هذه النشوة قد تتلاشى قريباً لتركز الأسواق مجدداً على التضخم العالمي ووضع المستهلك الأميركي خلال الأشهر القادمة.









