ما يختبئ في جليد سيبيريا قد يكون أخطر من الطاعون
12:16 - 09 أكتوبر 2026
بعد جائحة كوفيد، بات العالم أكثر حساسية تجاه أي تفشٍّ جديد للأمراض. ومن هنا جاء القلق الواسع من وفاة فنية مختبر تعمل في معهد لأبحاث الطاعون في سيبيريا.
وفي تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ نيوز"، ترى الكاتبة لارا ويليامز، كاتبة عمود في "بلومبرغ أوبينيون" تغطي شؤون تغير المناخ، أن هناك تهديداً صحياً آخر يتشكل في روسيا ويستحق اهتماماً أكبر مما ناله حتى الآن، وهو ما يخفيه الجليد الدائم في المنطقة.
وفاة غامضة في سيبيريا
تقول ويليامز إن تفاصيل الإصابة المشتبه بها بالطاعون ما زالت غامضة. فبحسب تغطية لوسائل إعلام محلية، لم يتم التحقق منها، ربما أصيبت داريا شيبيلوفا (28 عاماً) بالطاعون الرئوي إثر حادث وقع في مكان عملها. ووفق السلطات الروسية، جرى عزل نحو 200 شخص من المخالطين لها.
وتوضح الكاتبة أن الطاعون الرئوي عدوى شديدة تحدث عندما تصيب بكتيريا "يرسينيا بيستيس" الرئتين، وأنها تكاد تكون قاتلة دائماً إذا تُركت دون علاج.
رواية رسمية وأسئلة بلا إجابة
وبحسب المقال، تُرجع الرواية الرسمية وفاة شيبيلوفا إلى التهاب رئوي "مجهول" المنشأ، وأبلغت السلطات الروسية منظمة الصحة العالمية بأنه لم تُسجَّل أي حالة طاعون في المنطقة. وقد طلبت المنظمة مزيداً من التفاصيل، فيما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن لديه اتصالاً مقرراً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لبحث الحادثة.
الصحة العالمية: لا معلومات كافية
وتنقل ويليامز عن منظمة الصحة العالمية أنها لا تملك معلومات كافية لإجراء تقييم كامل للمخاطر، وأن روسيا تأخرت في الرد على استفساراتها، ووصفت المنظمة هذا التأخير بأنه "غير مقبول". وترى الكاتبة أن غموض الاستجابة الروسية مقلق، لا سيما أن الطاعون المحتمل ليس الشاغل الصحي الوحيد في سيبيريا.
الخطر الأكبر: ما يحفظه الجليد
تقول ويليامز إن ما يقلقها أكثر يكمن في التربة دائمة التجمد في المنطقة، حيث تحتفظ البرودة ببقايا أوبئة سابقة. فقد رُصد الحمض النووي لفيروس الجدري في جثة محنطة عمرها 300 عام، وعُثر على الحمض النووي الريبي لفيروس الإنفلونزا في رئة جثة مدفونة في الأرض منذ عام 1918.
جراثيم عادت إلى الحياة
وتضيف الكاتبة أن العلماء تمكنوا اليوم من إحياء مسببات أمراض ظلت خاملة في الجليد عشرات الآلاف من السنين. بعضها مثير للاهتمام ولا يشكل تهديداً، مثل الفيروسات العملاقة التي لا تستهدف سوى الكائنات وحيدة الخلية كالأميبا. لكن بعضها الآخر يرتبط بمسببات أمراض بشرية شائعة، مثل المكورات العنقودية، وبكتيريا العطيفة التي تُعدّ السبب الأكثر شيوعاً لأمراض الإسهال.
وتشير ويليامز إلى أن لدينا أدوية يفترض أن تواجه هذه الأعداء المألوفة، لكن اللافت أن الجينات المقاومة للمضادات الحيوية منتشرة بدرجة عالية بين البكتيريا الموجودة في التربة المتجمدة. وتضيف أن الأخطر هو الفيروسات والبكتيريا التي ربما أسهمت في اندثار إنسان النياندرتال أو الماموث، والتي ستكون جديدة تماماً على البشر اليوم.
مناخ يسخن وجليد يذوب
وتقول الكاتبة إن كل ذلك لم يكن ليشكل مشكلة لو كان المناخ مستقراً. لكن تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري يرفع حرارة القطب الشمالي بما يصل إلى أربعة أضعاف وتيرة بقية الكوكب، وتذوب التربة المتجمدة بسرعة، ما يزيد خطر انطلاق ما تسميه "صندوق باندورا" من مسببات الأمراض القديمة.
وتتفاقم المخاطر، بحسب المقال، مع تزايد التصنيع في المنطقة وما يرافقه من ارتفاع في أعداد العمال المهاجرين، الذين قد ينقلون أي تفشٍّ إلى مناطق أقل عزلة في العالم.
سابقة الجمرة الخبيثة عام 2016
وترى ويليامز أن فكرة ظهور مسبب مرض "زومبي" قد تبدو بعيدة الاحتمال، لكنها تذكّر بأن ذوبان التربة المتجمدة في سيبيريا بعد صيف حار وجاف أدى عام 2016 إلى تفشٍّ للجمرة الخبيثة، أودى بحياة صبي في الثانية عشرة وأكثر من 2300 رنة.
أبحاث معطلة وشفافية غائبة
وفي عام 2023، نشر علماء من فرنسا وألمانيا وروسيا ورقة بحثية حذّروا فيها من أن المخاطر الصحية لذوبان التربة المتجمدة حقيقية وتستحق مزيداً من الدراسة. غير أن غزو بوتين لأوكرانيا، وفق الكاتبة، عقّد الشراكات البحثية وتبادل المعلومات، علماً بأن معظم التربة المتجمدة في العالم تقع داخل روسيا.
وتختم ويليامز بأن غياب التفاصيل بشأن الوفاة المشتبه بها بالطاعون يوضح أنه ليس من الواضح أن موسكو ستكون شفافة بشأن أي خطر قد يخرج من الجليد. وتستشهد بما كتبه المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، على منصة "إكس" الخميس بشأن التحقيق في وفاة شيبيلوفا، إذ شدد على أن تبادل المعلومات في الوقت المناسب وبشكل كامل وشفاف بموجب اللوائح الصحية الدولية ضروري لتوضيح التقارير المتضاربة وتقييم المخاطر بدقة. وتعلّق الكاتبة بأن ذلك ينطبق على مسببات الأمراض "الزومبي" بقدر ما ينطبق على الطاعون.
الخلاصة
تُثير الوفاة الغامضة لفنية مختبر بسيبيريا مخاوف من الطاعون وسط تكتم روسي وتأخير في إبلاغ منظمة الصحة العالمية، إلا أن التهديد الأكبر يكمن في ذوبان التربة الجليدية جراء التغير المناخي.
هذا الذوبان ينذر بإطلاق مسببات أمراض وفيروسات قديمة "زومبي" ومقاومة للمضادات الحيوية، مما يضاعف المخاطر الصحية العالمية في ظل تراجع الشفافية والشراكات البحثية مع موسكو.







