هل أعادت الصين تشكيل معادلة العرض والطلب في سوق النفط؟
12:40 - 04 يونيو 2026أصبح الانخفاض الحاد في الطلب الصيني على واردات النفط أحد أبرز العوامل التي حالت دون تفاقم أزمة الطاقة العالمية، رغم اقتراب الحرب في الشرق الأوسط من يومها المئة، بحسب ما نقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن متعاملين ومحللين في أسواق الطاقة.
ورغم فقدان نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط لأكثر من ثلاثة أشهر، لا تزال أسعار الخام تتداول دون مستوى 100 دولار للبرميل، وسط توقعات سابقة بوصول السوق إلى نقطة حرجة مع استنزاف المخزونات العالمية.
الصين تخفض مشترياتها بملايين البراميل يومياً
ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن توم بيكر، المسؤول التنفيذي في شركة تجارة النفط العالمية "فيتول"، قوله: إن التباطؤ الكبير في مشتريات الصين من الخام خلال الأسابيع الأخيرة، مع تراجع الطلب بنحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، ساهم في امتصاص أثر فقدان نحو 12 مليون برميل يومياً من إمدادات الخليج.
من جهته، قال كبير استراتيجيي السلع في "مورغان ستانلي" بلندن، مارتين راتس، إن "انخفاض واردات الصين وفر نوعاً من الحماية لبقية سوق النفط العالمية".
وتقدّر "مورغان ستانلي" أن حجم النفط المنقول بحراً إلى الصين خلال الثلاثين يوماً الماضية تراجع إلى 7.5 ملايين برميل يومياً، مقارنة بنحو 13 مليون برميل يومياً في الفترة نفسها من العام الماضي.
تراجع الواردات إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات
كما أظهرت بيانات "إس آند بي غلوبال إنرجي" أن إجمالي واردات الصين من النفط الخام في أبريل انخفض بأكثر من مليوني برميل يومياً مقارنة بمتوسط عام 2025، ليصل إلى 9.4 ملايين برميل يومياً.
وتتوقع المؤسسة مزيداً من التراجع إلى نحو 8 ملايين برميل يومياً خلال مايو، مع انخفاض الواردات في الربع الثاني من العام الحالي بنحو 3 ملايين برميل يومياً مقارنة بالفترة ذاتها من 2025.
ورغم اتفاق معظم المحللين على اتجاه الواردات نحو الهبوط الحاد، فإن التقديرات تختلف بين المؤسسات. فقد أشارت بيانات "كليبر" إلى أن الواردات البحرية للصين بلغت 6.4 ملايين برميل يومياً في مايو، انخفاضاً من 8.1 ملايين برميل يومياً في أبريل و10.1 ملايين برميل يومياً في مارس.
بكين تعتمد على المخزونات الاستراتيجية
من جانبها، قالت هو مين مين، كبيرة محللي النفط والتكرير في الصين لدى "إس آند بي غلوبال"، إن تراجع واردات الصين النفطية أصبح "عاملاً حاسماً يعيد تشكيل ديناميكيات سوق النفط العالمية".
ولا تزال أسباب الانخفاض المفاجئ في مشتريات الصين غير واضحة بشكل كامل، إذ لم تكشف بكين علناً عن استراتيجيتها النفطية.
ووفقا لصحيفة فاينانشال تايمز، يرى معظم المحللين أن الحكومة الصينية بدأت استخدام المخزونات التي راكمتها خلال العام الماضي عندما كانت الأسعار منخفضة، في ظل غياب بيانات دقيقة حول حجم الاحتياطيات الصينية.
وقال بيكر، خلال مؤتمر "إس آند بي" للنفط والغاز في الشرق الأوسط المنعقد في لندن: "الصين تبدو كالثقب الأسود الذي يصعب على الجميع فهمه بالكامل.. لا نملك رؤية واضحة لمستويات مخزوناتها".
بدورها، أوضحت هو مين مين، التي تتخذ من بكين مقراً لها، أن "الاستجابة المحسوبة" من جانب الصين للأزمة الإيرانية شملت إجبار المصافي على خفض معدلات الإنتاج، غالباً تحت غطاء أعمال الصيانة، إلى جانب التحول من بناء المخزونات إلى السحب منها.
وتتوقع "إس آند بي" أن تسحب الصين من مخزوناتها التجارية بمعدل يتراوح بين 700 ألف و800 ألف برميل يومياً حتى نهاية الربع الثالث من العام.
كما ساهم قرار الصين تعليق صادراتها من وقود الطائرات والديزل في تهدئة الطلب على الواردات. وأظهرت بيانات "إس آند بي" أن صادرات الصين من المنتجات النفطية المكررة سجلت في أبريل أدنى مستوى لها منذ نحو عقد عند 300 ألف برميل يومياً، بانخفاض يقارب 65 بالمئة مقارنة بالعام الماضي.
تحول هيكلي متزايد من النفط إلى الكهرباء
قالت يي لين، محللة أسواق النفط الآسيوية في "ريستاد إنرجي"، إن "الاستراتيجية الصينية في التعامل مع حرب إيران يمكن تلخيصها بكلمة واحدة: الأمن”، مشيرة إلى أنه “لا توجد حتى الآن ملامح واضحة لإنهاء الصراع".
وأثارت القيود المفروضة على صادرات المنتجات النفطية انتقادات حادة من شركاء تجاريين يعتمدون على الصين في الإمدادات.
وبينما رفضت بكين حتى الآن مطالب شركات التكرير الحكومية بالسماح بزيادة الشحنات للاستفادة من ارتفاع الأسعار، لجأت الحكومة إلى إرسال بعض الشحنات كمساعدات، في خطوة وُصفت بأنها شكل من أشكال "الدبلوماسية النفطية".
وفي المقابل، لاحظ محللون وجود فجوة كبيرة بين تراجع واردات الخام والانخفاض المحدود نسبياً في الطلب المحلي، إذ يُتوقع أن يتراجع الطلب على النفط في الصين خلال الربع الثاني بنحو 1.5 مليون برميل يومياً فقط على أساس سنوي.
ويُعزى هذا التراجع المحدود جزئياً إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين، المتأثر بأزمة القطاع العقاري وضعف ثقة المستهلكين والشركات.
كما أشارت "ريستاد إنرجي" إلى تحول هيكلي متزايد من النفط إلى الكهرباء، مدفوعاً باستثمارات واسعة في السيارات الكهربائية وشبكات السكك الحديدية المكهربة والطاقة المتجددة.
تحذيرات من عودة الضغوط السعرية مستقبلاً
قالت يي لين إن هذه الاستثمارات وفرت "حاجزاً استراتيجياً" ساعد الصين على تجاوز الأزمة الحالية "بألم أقل بكثير" مقارنة بما كان يُتوقع في ظل اعتمادها الكبير على واردات النفط.
لكن توم بيكر من "فيتول" حذر من أن انخفاض واردات الصين من الخام لن يستمر إلى الأبد، قائلاً: "عندما تحتاج الصين إلى هذه البراميل مجدداً، سترتفع الأسعار، والحل الوحيد حينها سيكون خفض الطلب قسريا".
مخاوف المعروض وتوقعات الأسعار
وعلى الرغم من تراجع أسعار النفط بنحو 18 بالمئة مؤخراً بفعل التفاؤل بوقف إطلاق النار، إلا أن المؤسسات المالية الكبرى لا تزال تتوقع بقاء الأسعار في نطاق 90 إلى 100 دولار للبرميل، حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز.
وفي تصريحات حصرية لسكاي نيوز عربية، يرى جوليان ماثونير، محلل أسواق النفط في "إنرجي إنتلجنس"، أن خام برنت يتداول حالياً قرب مستويات 97 دولاراً، حيث لا تزال الأسواق تحتسب حلولاً سريعة للنزاعات، رغم إجماع المحللين على احتمالية استمرار اضطرابات المعروض لفترة أطول.
وأوضح ماثونير، أن العودة إلى "التوازن الطبيعي" في الأسواق لن تكون فورية، بل قد تستغرق ما بين 12 إلى 18 شهراً للتعافي التام من نقص المخزونات وتعطل الإمدادات.
ويشدد ماثونييه خلال حديثه لسكاي نيوز عربية على ضرورة التمييز بين العوامل المرتبطة بالمعروض وتلك المتعلقة بالطلب.
فمن وجهة نظره، لا ترتبط التحركات الحالية في الأسعار بنقص الإمدادات فقط، بل أيضاً بتراجع الطلب والنشاط الاقتصادي. ويشير إلى أن الأسواق تشهد بالفعل بعض التعطلات والتغييرات في تدفقات الطاقة، إلا أن ضعف الطلب لا يزال عنصراً مؤثراً في المشهد الراهن.
وفي إجابته عن مدة التعافي، قال ماثونييه إن "الأمر سيستغرق من 12 إلى 18 شهراً، أي تقريباً عاماً، حتى نعود إلى الطبيعية". وأضاف أن الأمر يتحسن، لكنه سيستغرق بضعة أشهر بالتأكيد.





