"التسعير الافتراسي الصيني": حرب أسعار تهدد الاقتصاد العالمي
12:23 - 12 فبراير 2026
تشهد الساحة الاقتصادية الدولية تصاعداً حاداً في الجدل حول ما يُعرف بـ«التسعير الافتراسي»، وهو بيع السلع بأقل من كلفتها لإقصاء المنافسين، في وقت تُتَّهَم فيه الصين بإغراق الأسواق العالمية مستفيدة من الدعم الحكومي وتدني كلفة العمالة.
ففي العام الماضي سجل فائضها التجاري مستوى قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار، بينها 189 مليار دولار مع الولايات المتحدة رغم الرسوم الجمركية التي فرضها دونالد ترامب، إضافة إلى 300 مليار دولار مع أوروبا. وخلال 26 عاماً تضاعفت الصادرات الصينية 14 مرة لتصل إلى 3.8 تريليون دولار، متسببة بخسائر تقدَّر بـ600 مليار دولار للشركات الأميركية وفقدان نحو 3.5 ملايين وظيفة، بينما باتت الصين الشريك التجاري الأول لأكثر من نصف دول العالم، وتسيطر على ثلث الإنتاج الصناعي العالمي و70% من المعادن النادرة و70% من السيارات الكهربائية و80% من الألواح الشمسية. في المقابل، بدأت الولايات المتحدة بقيادة تحالف يضم 55 دولة لبناء احتياطيات استراتيجية من هذه المعادن وتحديد حد أدنى للأسعار، في محاولة لكسر الهيمنة الصينية، وسط تساؤلات حول فرص نجاح هذه الاستراتيجية.
جذور سياسة التسعير الصيني
في حديثه الى برنامج «بزنس مع لبنى» على سكاي نيوز عربية أوضح الشريك المؤسس لأكاديمية «Market Trader» عمرو عبده أن توصيف «التسعير الافتراسي» بات متداولاً بكثرة، غير أن السياسة الصينية في هذا المجال ليست وليدة اللحظة، إذ تعود إلى بدايات التسعينات، بل إلى ما قبل ذلك، حين جرى تشجيع بكين على إعادة هيكلة اقتصادها بما يمكّن شركاتها من النهوض بمنتجات تلبي احتياجات الأسواق الغربية. وأشار إلى أن هذا المسار ارتبط بدعم حكومي متواصل، تراجع جزئياً بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية بسبب القوانين المنظمة للتجارة الدولية، إلا أن الدول المستوردة غضّت الطرف في كثير من الأحيان، لأن انخفاض الأسعار ساهم في خفض معدلات التضخم لديها، وهو ما انعكس فائدة مباشرة على المستهلك.
انتقال المنافسة إلى الصناعات عالية القيمة
بحسب عبده، تحوّل هذا النموذج أخيراً إلى مصدر إشكال للدول المتقدمة بعدما دخلت الصين قطاعات كانت تمثل قيمة مضافة مرتفعة لاقتصاداتها، مثل القطارات السريعة، والسيارات، والإلكترونيات بمختلف أنواعها. ولفت إلى أن بكين كانت في السابق تتجنب إبراز قوتها الصناعية عبر علامات تجارية عالمية، فغالبية المنتجات المصنّعة داخلياً لم تكن تحمل أسماء صينية عند تصديرها، فيما اقتصر تسويق السيارات الصينية لفترة طويلة على السوق المحلية، في سياسة خدمت الصين والدول المستقبلة معاً. إلا أن هذا النهج تغيّر مع سعي الشركات الصينية إلى ترسيخ علاماتها التجارية عالمياً، ما زاد حدّة المنافسة ودفع الخصوم إلى اتخاذ مواقف دفاعية.
منظومة صناعية مكتملة وسلاسل إمداد مغلقة
شدّد عبده على أن النقاش لا يقتصر على نقل سلاسل الإمداد من الصين إلى دول أخرى، لأن المشكلة، برأيه، تكمن في «الإيكو سيستم» الصناعي المتقدم الذي بنته بكين. ففي مدينة واحدة يمكن تصنيع منتج كامل، من المواد الأولية حتى الشكل النهائي، في نموذج يقوم على السيطرة الشاملة على خط الإنتاج، من الجلد المستخدم في السيارات، إلى الإطارات والزجاج والأسلاك. وأوضح أن هذه المنظومة تشكّلت عبر عقود طويلة، ضمن خطة هادئة لتشابك الصناعات المختلفة، بما جعل الصين قادرة على إنتاج متكامل داخل نطاق جغرافي محدود.
مقارنات آسيوية وتجارب دعم الدولة
استحضر عبده تجارب سابقة تناولها كتاب «التنانين الأربعة الصغيرة»، الذي شرح كيف دعمت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية دولاً آسيوية مثل تايوان وماليزيا وغيرها للنهوض بصناعاتها، عبر تدخل حكومي مباشر في دعم الكهرباء، وتوفير الأراضي بأسعار تشجيعية، وتمهيد الطريق أمام شركات السيارات والإلكترونيات الثقيلة مثل «هيونداي» و«سامسونغ». ورأى أن ما تقوم به الصين اليوم يندرج ضمن هذا السياق التاريخي، مع فارق أن حجم الاقتصاد الصيني الحالي يجعل تأثيره عالمياً، إذ لا تقتصر صادراته على الولايات المتحدة بل تمتد إلى مختلف الأسواق، وصولاً إلى الطيران المدني مع ظهور طائرة «كوماك C919» في معارض دولية مثل دبي، في وقت يكفل فيه الاستهلاك الداخلي الضخم استمرار هذه الصناعات.
حرب الأسعار والضغوط الداخلية
لفت عبده إلى أن التسعير الافتراسي لم يعد مشكلة خارجية فحسب، بل بات تحدياً داخلياً للصين نفسها، مستشهداً بالقوانين الجديدة التي صدرت للحد من حروب الأسعار داخل السوق المحلي. وأوضح أن تقليص الصادرات يؤدي إلى مزاحمة ذاتية وتآكل الحصص السوقية، في ظل وجود أكثر من أربعمائة أو خمسمائة علامة سيارات، لا يعرف المستهلك العالمي سوى عشرات قليلة منها، ما يعني اشتداد المنافسة واستفادة المستهلك النهائي على المدى الطويل.
المعادن النادرة والتحالفات الجديدة
في محور الموارد الاستراتيجية، أشار عبده إلى امتلاك الصين أكثر من 70% من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة ونحو 90% من قدرات التكرير، إضافة إلى سيطرتها على 60–65% من المناجم داخل البلاد وخارجها. واعتبر أن هذه الأرقام تجعلها «عملاقاً مهيمنًا»، وهو ما يفسر نشوء تحالفات جديدة تهدف إلى كسر هذه الهيمنة، مع تقديرات تشير إلى استثمارات تتراوح بين 10 و15 مليار دولار لإنشاء قدرات موازية للإنتاج والتكرير. وتطرق إلى سوق السيليكا، البالغة قيمته نحو 60 مليار دولار، بوصفه عنصراً محورياً في صناعة الشرائح الإلكترونية التي ستحدد حصص الدول في الاقتصاد العالمي مستقبلاً.
بين العولمة والتشرذم الاقتصادي
طرح عبده تساؤلات حول مستقبل النظام التجاري العالمي، في ظل تحولات السياسة الأميركية مقارنة بفترات سابقة، وإمكانية العودة إلى منطق الاعتماد المتبادل والعولمة الواسعة، ما قد يسهل على عشرات الدول الاستمرار في الاعتماد على الصين كمزوّد رئيسي. أما إذا استمرت حالة التشرذم، فرجّح أن تشهد السنوات المقبلة استثمارات ضخمة لتأمين الإمدادات الاستراتيجية بعيداً عن الاعتماد الأحادي.
إفريقيا، الخليج، واقتصاد متعدد الأقطاب
توقف عبده عند الحضور الصيني في مناطق نائية من إفريقيا، حيث تعمل الشركات في مشاريع بنية تحتية وأنابيب نفط ضمن تنسيق وثيق مع الحكومة، التي توفّر التمويل والتصاريح والدعم الدبلوماسي، في إطار توجه وطني شامل يبدأ من أعلى هرم الدولة إلى المؤسسات التعليمية. وعلى مستوى التوازنات الدولية، توقع أن تصبح الصين الاقتصاد الأول عالمياً، مع احتفاظ الولايات المتحدة بثقلها، ضمن نظام متعدد الأقطاب يضم مراكز اقتصادية أخرى، وفي مقدمتها دول الخليج التي وصفها بأنها قوى صاعدة، مؤثرة استثمارياً وتكنولوجياً، وتتمتع بدرجة عالية من الحياد تجعلها ملاذاً آمناً للأطراف المتنافسة.
الذهب والفضة والبيتكوين في مرآة عدم اليقين
في ختام حديثه، ربط عبده تقلبات الذهب – مع هبوطه دون مستوى 5000 ثم عودته فوقه – بوجود طلب حقيقي ناجم عن انعدام الثقة في كثير من الثوابت الاقتصادية العالمية، ما يدفع الأفراد والمؤسسات والحكومات إلى اللجوء للمعدن الأصفر. وأشار إلى الطلب القوي على الفضة رغم تراجعها سابقاً، مستشهداً بفترات انتظار طويلة في المصافي وعلاوات سعرية تصل إلى 20 دولاراً للأونصة في هونغ كونغ وسنغافورة، متوقعاً عودة المعدنين إلى مسار الصعود. أما البيتكوين، فرجّح إمكانية عودته إلى مستويات بين 90 و100 ألف، في حال إقرار تشريعات داعمة، ضمن موجة صعود جديدة للأسواق.











