"بيع أميركا" يعود إلى الواجهة بعد تصعيد ضد رئيس الفيدرالي
11:26 - 12 يناير 2026
عادت موجة ما يُعرف بتوجه "بيع أميركا" لاجتياح الأسواق العالمية، صباح الاثنين، بعد أن صعّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجماتها على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن استقلالية البنك المركزي.
وشهد الدولار وسندات الخزانة الأميركية، إلى جانب عقود الأسهم الأميركية الآجلة، تراجعا ملحوظا خلال التعاملات الآسيوية المبكرة، بعدما صرّح رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بأن التهديد بتوجيه اتهام جنائي له في الولايات المتحدة جاء نتيجة خلاف حول السياسة النقدية.
فيما يُعد ذلك أحدث فصول المواجهة بين الإدارة الأميركية والبنك المركزي، بعد محاولات لإقالة عضو المجلس ليزا كوك، فضلًا عن دعوات متكررة لخفض حاد في أسعار الفائدة.
وأعاد التراجع الجماعي للأصول الأميركية فتح النقاش حول حدود التأثير الذي يمكن – أو ينبغي – أن يمارسه الرئيس الأميركي على السياسة النقدية، وهي صلاحية طالما اعتُبرت حكرًا على الاحتياطي الفيدرالي.
كما أحيا النقاش بشأن ما إذا كان على المستثمرين تقليص انكشافهم على الأصول الأميركية والدولار، وهي فكرة سادت الأسواق العالمية في أبريل الماضي عندما أعلن ترامب فرض رسوم جمركية شاملة فيما يعرف باسم "يوم التحرير".
ونقلت وكالة بلومبرغ نيوز العالمية عن غاري تان، مدير المحافظ الاستثمارية في شركة أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس التي تدير أصولًا تتجاوز 600 مليار دولار قوله: "أي تطور يثير تساؤلات حول استقلالية الفيدرالي يضيف حالة من عدم اليقين بشأن السياسة النقدية الأميركية. ومن المرجح أن يعزز ذلك الاتجاهات الحالية لتنويع الاستثمارات بعيدًا عن الدولار، وزيادة الإقبال على أدوات التحوط التقليدية مثل الذهب".
وأوضح باول أن أوامر الاستدعاء الصادرة عن هيئة المحلفين الكبرى تتعلق بشهادته أمام الكونغرس في يونيو بشأن أعمال تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي، لكنه شدد على ضرورة النظر إليها "ضمن السياق الأوسع للتهديدات والضغوط المستمرة من قبل الإدارة فيما يتعلق بالسياسة النقدية وقرار خفض الفائدة".
تقلبات متوقعة وضغوط على الدولار
يرى المستثمرون أن هذا التصعيد يمهد لفترة من التقلبات الحادة في الأسواق، نظرًا لتداعياته المحتملة على السياسة النقدية طويلة الأجل.
كما يسلّط الضوء على الدولار، الذي يشكل العمود الفقري للتجارة العالمية ويشارك في ما يقرب من 90 بالمئة من معاملات الصرف الأجنبي عالميًا.
وكان فرانسوا فيليروي دو غالهو، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، قد حذّر الأسبوع الماضي من أن انتقادات الإدارة الأميركية للاحتياطي الفيدرالي تُهدد مكانة الدولار.
محللو بلومبرغ نيوز رأوا أن متداولي الاقتصاد الكلي قد يميلون إلى تعزيز مراكز البيع على الدولار الأميركي، في ظل مخاطر تعرّض باول لقيود تعيق أداءه لمهامه كرئيس للفيدرالي.
وانخفض مؤشر بلومبرغ للدولار بنسبة وصلت إلى 0.2 بالمئة خلال التداولات الآسيوية، مع تراجع العملة الأميركية أمام معظم العملات الرئيسية.
كما هبطت العقود الآجلة لمؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنسبة 0.6 بالمئة، فيما تراجعت عقود "ناسداك 100" بنسبة 0.9 بالمئة، بحسب بيانات وكالة بلومبرغ.
كذلك تراجعت عقود سندات الخزانة الأميركية، بينما أُغلقت التداولات النقدية بسبب عطلة في اليابان، ما دفع المستثمرين إلى إعادة التموضع ترقبًا لافتتاح الأسواق في لندن.
وقال جيرالد غان، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة ريد كابيتال بارتنرز في سنغافورة: "قد يعيد هذا الخبر نشر رواية "بيع أميركا" مع اقتراب جرس الافتتاح، في ظل إدارة تركز على استعادة التأييد الشعبي قبيل انتخابات التجديد النصفي، حتى لو كان ذلك على حساب مصداقية المؤسسات".
أصول أقل جاذبية
وتعرضت الأصول الأميركية لضغوط كبيرة العام الماضي بعدما أدى إعلان ترامب المفاجئ عن رسوم جمركية عالمية إلى اضطرابات حادة في الأسواق.
وقفزت عوائد سندات الخزانة في أبريل، مع ارتفاع عائدات السندات لأجل 30 عامًا بأكثر من 80 نقطة أساس خلال فترة قصيرة، فيما تراجع الدولار بأكثر من 8 بالمئة في عام 2025، مسجلًا أسوأ أداء سنوي له منذ 2017.
وحذّر استراتيجيون ومستثمرون من أن موجة البيع قد تتفاقم إذا استمر التصعيد.
وقالت مجموعة جيه بي مورغان لإدارة الأصول إن التطورات الأخيرة قد تؤدي إلى مزيد من انحدار منحنى العائد.
ويعني انحدار منحنى العائد اتساع الفجوة بين عوائد السندات طويلة الأجل وقصيرة الأجل، عادةً بسبب ارتفاع العوائد الطويلة. ويُفسَّر غالبًا كتوقعات بتضخم أو مخاطر أعلى مستقبلًا، أو زيادة الشكوك حول الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
ورأت لومبارد أودييه أن الدولار وسندات الخزانة سيظلان تحت الضغط، في حين أشارت إنفيسكو إلى أن الأصول غير الأميركية، مثل الأسهم الأوروبية والآسيوية، تبدو أكثر جاذبية.
وقال ديفيد تشاو، استراتيجي الأسواق العالمية في إنفيسكو لإدارة الأصول التي تدير أكثر من تريليوني دولار: "استدعاء رئيس الفيدرالي مثال إضافي على أن الأصول الأميركية أصبحت أقل جاذبية. فالولايات المتحدة لا تنكفئ فقط خلف حدود ’قلعة أميركا‘، بل باتت أيضًا أكثر ميولًا لسياسات افتراسية".
وفي مقابلة مع شبكة "إن بي سي نيوز" الأحد، نفى ترامب علمه بأي تفاصيل عن تحقيق وزارة العدل في شؤون البنك المركزي.
في المقابل، يتبنى بعض المستثمرين نظرة أكثر حذرًا، معتبرين أن قوة الدولار كعملة احتياط عالمية، والسيولة العميقة في سوق السندات الأميركية، إضافة إلى طفرة الذكاء الاصطناعي التي تدعم الأسهم، قد تجعل من أي تراجع فرصة للشراء.
وقال مارفن لو، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في ستيت ستريت ببوسطن: "نحن قلقون دائمًا بشأن الاستقلالية، لكننا نراقب التطورات وسنتخذ قراراتنا عندما تتضح النتائج الاقتصادية بشكل أدق"، وفقا لوكالة بلومبرغ نيوز.





