أسواق التنبؤ تضاعف مخاطر الاستطلاعات المزيفة
15:36 - 20 أغسطس 2026
في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن نزاهة المعلومات المتداولة خلال المواسم الانتخابية الأميركية، كشفت شركة غامضة تحمل اسم "ميديان ستراتيجيز" (Median Strategies) أنها نشرت استطلاعات رأي مزيفة بشأن عدد من السباقات الانتخابية المحلية والفيدرالية، ونجحت في تمريرها على أنها بيانات حقيقية جرى تداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، بحسب تقرير لوكالة بلومبرغ نيوز.
ويأتي هذا الكشف بعد أسابيع فقط من تحذيرات أطلقها مسؤولون أميركيون بارزون في إدارة الانتخابات من المخاطر المتزايدة التي تمثلها أسواق التنبؤ السياسي مثل "كالشي" (Kalshi) و"بولي ماركت" (Polymarket)، وسط مخاوف من إمكانية استغلالها للتأثير على الرأي العام وتحقيق مكاسب مالية.
وتُعرف أسواق التنبؤ بأنها منصات تتيح للمستخدمين التداول على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، مثل نتائج الانتخابات أو القرارات السياسية أو التطورات الاقتصادية. وفي منصات مثل "كالشي" و"بولي ماركت"، لا يراهن المشاركون بشكل مباشر على المرشحين، بل يشترون ويبيعون عقوداً تعكس التقديرات السائدة لاحتمالات فوز كل طرف.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت السوق تمنح أحد المرشحين احتمالاً بنسبة 70 بالمئة للفوز، فإن هذا الرقم يعكس توقعات المتداولين المشاركين في السوق. وإذا ارتفعت تلك التوقعات إلى 80 بالمئة في وقت لاحق، فقد يحقق من اشترى العقود في وقت مبكر مكاسب مالية، بينما يتكبد خسائر إذا جاءت النتيجة النهائية مخالفة لتوقعاته.
وتُسمى هذه المنصات "أسواقاً" لأن أسعار العقود المرتبطة بكل حدث ترتفع أو تنخفض باستمرار وفقاً لتغير توقعات المشاركين، ما يجعلها أشبه بسوق مالية تعتمد على التنبؤ بالنتائج المستقبلية.
وقال دين لوغان، مسؤول الانتخابات في مقاطعة لوس أنجلوس، خلال ندوة إلكترونية عُقدت أواخر يوليو: "إدارة الانتخابات تتأثر بشكل كبير بالتصورات العامة والمعلومات المضللة، وعلينا أن نكون مستعدين للتعامل مع ذلك".
وبعد أسابيع قليلة، بدا أن تحذيراته تحققت بالفعل.
"تجربة اجتماعية" أم محاولة للتأثير؟
وفي رسالة إلكترونية إلى صحيفة لوس أنجلوس تايمز، وصفت "ميديان ستراتيجيز" ما قامت به بأنه "تجربة اجتماعية قصيرة الأجل" تهدف إلى اختبار كيفية دخول معلومات استطلاعات رأي غير موثقة إلى النظام البيئي للمعلومات السياسية وانتشارها من دون أي تحقق مستقل.
لكن خبراء واستطلاعيين محترفين شككوا في هذا التفسير، معتبرين أن الهدف الأكثر ترجيحاً كان التأثير على توقعات السباقات الانتخابية ومن ثم التأثير على أسواق التنبؤ السياسي التي تتيح للمشاركين المراهنة على نتائج الانتخابات.
وكتب آدم كارلسون من مؤسسة "زينيث ريسيرش" على منصة "إكس" أن مثل هذه الممارسات تمثل "طريقة سهلة للتلاعب بأسواق التنبؤ ثم التهرب من المسؤولية لاحقاً عبر الادعاء بأنها مجرد تجربة اجتماعية".
ورغم نفي الشركة أن تكون قد تحركت بدافع الربح المالي أو التأثير على أسواق التنبؤ، فإن الحادثة أثارت قلقاً متزايداً بشأن هشاشة البيئة المعلوماتية المحيطة بالانتخابات الأميركية.
أزمة ثقة متفاقمة
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه الثقة العامة بالعملية الديمقراطية الأميركية من ضغوط متزايدة. وأظهر استطلاع حديث لمؤسسة غالوب أن 67 بالمئة من الأميركيين يخشون تعرض مسؤولي الانتخابات لضغوط لتغيير النتائج، فيما أعرب 57 بالمئة عن قلقهم من عدم احتساب أصواتهم بشكل صحيح.
ويرى مراقبون أن انتشار استطلاعات الرأي المزيفة قد يزيد من حدة هذه المخاوف، خاصة إذا تم استخدامها للتأثير على تصورات الناخبين بشأن فرص المرشحين.
استطلاع لوس أنجلوس الأكثر تأثيراً
وكانت الشركة قد نشرت ثلاثة استطلاعات مزيفة. الأول تناول سباقات انتخابية بارزة في ولاية نيفادا، والثاني استهدف الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ويسكونسن، بينما كان الثالث والأكثر تأثيراً متعلقاً بسباق رئاسة بلدية مدينة لوس أنجلوس.
وفي هذا الاستطلاع، زعمت "ميديان ستراتيجيز" أن رئيسة البلدية الديمقراطية الحالية كارين باس تتقدم على منافستها نيثيا رامان، العضو في مجلس المدينة ذات التوجه الاشتراكي الديمقراطي، وأن باس نجحت في استقطاب جزء من الناخبين الذين دعموا المرشح الجمهوري سبنسر برات خلال الانتخابات التمهيدية.
وبسبب محدودية استطلاعات الرأي المتاحة حول هذا السباق المتوقع أن يكون متقارباً، حظيت النتائج المزعومة باهتمام واسع وجرى تداولها بسرعة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
بل إن حملة باس نفسها أعادت نشر النتائج على منصة "إكس" في منشور تم حذفه لاحقاً، قبل أن يتضح أن الاستطلاع بأكمله ملفق.
تبادل الاتهامات السياسية
ومع انكشاف الحقيقة، تحولت القضية إلى مادة جديدة للمواجهة السياسية.
فقد دافعت حملة كارين باس عن نفسها بالقول إنها وقعت ضحية لتقارير نقلتها عدة وسائل إعلام، مطالبة بالتحقيق في أي محاولات سيئة النية للتأثير على الانتخابات ومحاسبة المسؤولين عنها.
في المقابل، اتهمت حملة رامان رئيسة البلدية بالترويج لنتائج الاستطلاع من دون التحقق من مصداقيتها، معتبرة أن الحادثة تعكس قصوراً في إدارة القضايا الأساسية.
حافز مالي ضخم
ويرى مسؤولون انتخابيون أن الخطر لا يكمن فقط في هذه الواقعة، بل في احتمال تكرارها مستقبلاً.
فبحسب تحليل أجرته شبكة NBC News، بلغت قيمة التداولات المرتبطة بنتائج الانتخابات النصفية الأميركية هذا العام على منصتي "كالشي" و"بولي ماركت" نحو 200 مليون دولار، ما يوفر حوافز مالية قوية لأي جهة تسعى إلى التأثير على توقعات الأسواق أو معنويات الناخبين.
ورغم تأكيد "ميديان ستراتيجيز" أن أياً من القائمين عليها لم يحقق مكاسب مالية من الاستطلاعات المزيفة، فإن هوية المسؤولين عن الشركة لا تزال مجهولة، في حين أشارت بيانات الأسواق إلى تحسن فرص فوز كارين باس بعد انتشار الاستطلاع المزور.
أزمة في استطلاعات الرأي التقليدية
وتتزامن هذه الواقعة مع أزمة أوسع تواجه صناعة استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة، بعدما أخفقت العديد من الاستطلاعات خلال السنوات الأخيرة في توقع نتائج عدد من الانتخابات بدقة.
ففي انتخابات تمهيدية حديثة، توقعت استطلاعات عدة فوز المرشح الديمقراطي التقدمي عبد السيد بفارق مريح في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان، لكنه فاز بفارق ضئيل فقط. كما توقعت استطلاعات أخرى فوز المرشحة الاشتراكية الديمقراطية فرانسيسكا هونغ في ولاية ويسكونسن، لكنها انتهت إلى الخسارة.
وأدى تراجع الثقة في الاستطلاعات التقليدية إلى تعزيز شعبية أسواق التنبؤ، التي تؤكد أن توقعاتها أكثر دقة لأنها تعتمد على ما تصفه بـ"حكمة الحشود".
لكن دراسة أُجريت لصالح منظمة "الشراكة للدوائر الانتخابية الكبرى" أظهرت أن 39 بالمئة من الناخبين المحتملين في انتخابات الكونغرس المقبلة سيفقدون الثقة بالنتائج الرسمية إذا جاءت مخالفة لتوقعات أسواق التنبؤ، فيما أخطأ كثير من المشاركين في فهم طبيعة هذه الأسواق، واعتقد بعضهم أن النسب المعروضة تمثل عدد الأصوات التي حصل عليها كل مرشح.
ويحذر مسؤولون انتخابيون من الخلط بين توقعات الأسواق والنتائج الرسمية، إذ قال دين لوغان إن "أسواق التنبؤ هي شكل من أشكال المضاربة، لكنها تُقدَّم بشكل متزايد على أنها مؤشر محتمل لنتائج الانتخابات"، مضيفاً أن التحدي يكمن في أن كثيرين لا يميزون بين آراء المشاركين في السوق وبين العملية الانتخابية الرسمية.
وفي حين أعلنت "ميديان ستراتيجيز" إغلاق نشاطها بعد انكشاف أمرها، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى استعداد الأميركيين لمواجهة موجات جديدة من المعلومات المضللة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.








