انهيار تاريخي للجنيه السوداني يكشف عمق أزمة السلطة القائمة
13:22 - 22 يونيو 2026
سجل الجنيه السوداني، الإثنين، أكبر تراجع في تاريخه أمام الدولار الأميركي، بعدما بلغ سعر الصرف في السوق الموازية نحو 5500 جنيه للدولار الواحد، في تطور يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والنقدية التي تعيشها البلاد في ظل استمرار الحرب وتفاقم الاختلالات المالية وتراجع الثقة في السياسات الاقتصادية.
وكان سعر الدولار قد تجاوز حاجز 5000 جنيه بنهاية الأسبوع الماضي، قبل أن يواصل صعوده بوتيرة متسارعة عقب قرار سلطة بورتسودان رفع قيمة الدولار الجمركي بنحو 300 جنيه ليصل إلى 3517 جنيهاً، وهي خطوة يرى مراقبون أنها ستنعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج وتكاليف النقل، بما ينذر بموجة جديدة من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وقال متعاملون في سوق العملات الموازية لـ"سكاي نيوز عربية" إن الانهيار المتواصل في قيمة العملة الوطنية لا يرتبط فقط بعوامل الحرب وتراجع الإنتاج، وإنما يتغذى أيضاً على ما وصفوه بغياب السلطة والإدارة الاقتصادية الفاعلة واتساع نطاق المضاربات في سوق النقد الأجنبي.
وأشاروا إلى أن شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية ونافذين داخل الأجهزة الأمنية والسلطة القائمة في بورتسودان باتوا من أبرز الفاعلين في سوق العملات.
وقالوا إن هؤلاء يستفيدون من الحصول على النقد الأجنبي وإعادة تدويره في عمليات مضاربة واسعة النطاق، الأمر الذي يزيد الضغوط على الجنيه ويعمق اختلالات السوق ويقوض فرص استعادة الاستقرار النقدي.
وبحسب تجار ومتعاملين في سوق العملة، تعاني السلطة القائمة من فراغ اقتصادي واضح وغياب رؤية متماسكة لإدارة الأزمة، وسط تضارب القرارات المالية والنقدية وتفشي الفساد واتساع نفوذ الوسطاء والسماسرة في توجيه حركة السوق بعيداً عن أي رقابة مؤسسية أو سياسات إصلاحية فعالة.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد إسماعيل إن وصول سعر الصرف إلى مستوى 5500 جنيه للدولار يمثل "مؤشراً خطيراً على تآكل الثقة في العملة الوطنية وفي قدرة السلطات على إدارة الاقتصاد"، موضحاً أن السوق بات يتعامل مع الجنيه باعتباره أصلاً عالي المخاطر في ظل التوسع المستمر في الكتلة النقدية وغياب الموارد الحقيقية من الإنتاج والصادرات.
وأضاف إسماعيل أن "ما يحدث ليس مجرد تراجع في سعر الصرف، بل انهيار متسارع في الثقة بالاقتصاد نفسه، وهو ما يدفع المواطنين والتجار إلى الهروب نحو الدولار والذهب باعتبارهما الملاذ الأكثر أماناً".
وأضاف أن "أي زيادة في الرسوم الجمركية أو الضرائب لا تصاحبها إصلاحات هيكلية حقيقية ستتحول مباشرة إلى أعباء إضافية على المستهلكين، ولن تسهم في استقرار الإيرادات أو كبح تدهور سعر الصرف".
وأشار إسماعيل إلى أن الأزمة الحالية تجاوزت كونها أزمة نقد أجنبي لتصبح أزمة دولة ومؤسسات وحوكمة اقتصادية، في ظل غياب سلطة تنفيذية قادرة على إدارة الاقتصاد وضبط الأسواق، لافتاً إلى أن استمرار نشاط مراكز النفوذ الاقتصادية خارج الأطر الرسمية يشجع على المضاربات ويعزز الاتجاه نحو اكتناز الدولار والذهب بدلاً من الاستثمار والإنتاج.
وحذر من أن استمرار الأوضاع الراهنة قد يدفع الاقتصاد السوداني إلى مرحلة أكثر خطورة تتسم بفقدان العملة لوظيفتها كمخزن للقيمة ووسيط للتبادل، ما يفتح الباب أمام توسع التعاملات خارج النظام النقدي ويؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر والتهميش الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة.
ويأتي هذا الانهيار النقدي في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من تحول الأزمة الاقتصادية إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، فيما تواجه الأسواق بمناطق سيطرة الجيش أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي استمرار انهيار العملة إلى اضطرابات واسعة في حركة التجارة والإمدادات وانعكاسات مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية.
وكانت الأمم المتحدة قد صنفت السودان الأسبوع الماضي ضمن أعلى فئة من "بؤر الجوع الساخنة" عالمياً إلى جانب جنوب السودان واليمن والصومال وغزة، محذرة من احتمال اتساع نطاق المجاعة خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت الحرب وتعذر وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.
ويرى مراقبون أن استمرار تدهور العملة الوطنية بهذا المعدل، في ظل الحرب المستمرة وتعطل النشاط الإنتاجي وتعثر جهود السلام نتيجة تمسك السلطة القائمة بالحلول العسكرية ورفضها للمبادرات المطروحة لوقف الحرب، قد يدفع السودان نحو أزمة إنسانية غير مسبوقة تتصدرها المجاعة والتضخم وانعدام الأمن الغذائي.





