كيف تتشكل الفقاعات المالية؟ ومتى تنفجر؟
12:49 - 05 يناير 2026
تتأرجح الأسواق المالية العالمية على وقع موجة جديدة من النشوة الاستثمارية، مستلهمة دروساً من التاريخ الذي يكرر نفسه؛ فبعد نحو قرن من زمن "العشرينيات الصاخبة"، تظهر اليوم تقنيات الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية كساحة للتفاؤل المفرط والمضاربات المكثفة، وسط توافر ائتمان واسع وتوقعات نمو هائلة قد لا تعكس الواقع.
تسعى شركات التكنولوجيا العملاقة إلى قيادة هذا الزخم، مستثمرة مئات المليارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بينما يتساءل المستثمرون عن مدى قدرة هذه الاستثمارات على تحويل التفاؤل إلى أرباح حقيقية. التاريخ المالي يذكر بأن الابتكارات الثورية غالبًا ما تشعل دوامة من المضاربات قبل أن تنكشف الفجوات بين التوقعات والواقع.
تترقب السوق لحظة اختبار هذه التقييمات الطموحة، حيث قد تخلق أية صدمة اقتصادية أو خيبة في النتائج المالية موجة تصحيح حادة، لتعيد التوازن للأسعار وتعطي فرصة للمستثمرين الأشد حذرًا. ورغم المخاطر، يظل الابتكار التكنولوجي قادرًا على خلق قيمة حقيقية وطويلة الأمد، كما فعل الإنترنت في عصره، إذا ما تم ربط التوقعات بالأساسيات الاقتصادية الفعلية.
دوامة مالية عالمية
تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، يشير إلى أن:
- الأسواق تعيش من جديد حقبة العشرينيات الصاخبة.. ليس الأمر تماماً كعصر جاز جديد؛ فالجاز قد خفت بريقه هذه الأيام.
- لكن النشوة بالذكاء الاصطناعي متفشية، وجنون العملات المشفرة منتشر، والائتمان يزدهر في الأسواق الخاصة، والولايات المتحدة مرة أخرى في قلب دوامة مالية عالمية.
- بعد مرور قرابة 100 عام، لا بد لنا أن نتساءل: هل يلوح في الأفق انهيار آخر على غرار انهيار عام 1929؟
- وثمة سؤال ذو صلة وهام، وهو ما إذا كنا نعيش في فقاعة اقتصادية؟
ويُذكر التقرير بتصريح آلان غرينسبان، حين كان رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، خلال طفرة شركات الإنترنت في أواخر التسعينيات، الذي قال فيه: "لا يمكن عادةً إدراك الفقاعات إلا بعد وقوعها.. يتطلب رصد الفقاعة مسبقاً إدراكاً بأن مئات الآلاف من المستثمرين المطلعين مخطئون تماماً.. والمراهنة ضد الأسواق محفوفة بالمخاطر في أحسن الأحوال".
يجمع هذا الرأي بين إنكار ضمني لمسؤولية البنك المركزي عن الاستقرار المالي، والتزام أعمى بنظرية كفاءة السوق التي تؤمن بها مدرسة شيكاغو، والتي تنبع من قناعة بأن أسعار السوق غير المنظمة تعكس جميع المعلومات المتاحة. وللحصول على دليل قاطع على ذلك، يكفي النظر إلى فقاعة بحر الجنوب عام 1720.
ما الذي يُشكّل فقاعة اقتصادية تحديداً؟
يشير التقرير إلى أن السمة الأساسية هي سردية مُلهمة تُشعل توقعات المستثمرين بتحقيق أرباح طائلة، مستشهداً بالنشاط الرئيسي لشركة بحر الجنوب الذي كان بسيطاً: "امتلاك ما يُعادل المعاشات التقاعدية وتولي إدارة الدين الحكومي". ومع ذلك، مُنحت الشركة أيضاً امتيازاً تجارياً احتكارياً مع جزر الهند الشرقية الإسبانية. ورغم أن قيمته كانت موضع شك، إلا أن هذا الامتياز استحوذ على خيال الجمهور المتزايد.
- تتركز حالة النشوة السائدة اليوم بشكل رئيسي حول الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية.
- الأمر المثير للدهشة هو لماذا يشعر الناس بالحاجة إلى نقاش حول ما إذا كانت هذه التقنيات تشكل فقاعة اقتصادية، مع أنها تستوفي بشكل واضح جميع الشروط المعتادة للفقاعات الاقتصادية.
وفيما يخص الذكاء الاصطناعي، يشير التقرير إلى أنه لا يشكّك أحد في أنه سيكون تقنية ثورية تُفضي إلى مكاسب إنتاجية شاملة في الاقتصاد. لكن ثمة غموضاً كبيراً يكتنف كيفية تحقيق ذلك.
التقييمات المرتفعة
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الفقاعات في الأسواق المالية عادةً ما تتشكل عندما تصل التقييمات إلى مستويات مرتفعة جدًا، وتترافق مع توقعات مبالغ فيها ومداخيل غير واقعية، كما حدث في فقاعة شركات الإنترنت عام 2000 وأزمة الرهن العقاري لاحقاً.
- الفرق الجوهري بين تلك الفترات والوضع الحالي يكمن في أن الشركات التي قادت الفقاعات السابقة كانت لا تزال في طور التكوين ولم تكن تمتلك نماذج أعمال راسخة، في حين أن المشهد الحالي تقوده شركات عملاقة قائمة بالفعل، مثل ألفابت (غوغل) وميتا ومايكروسوفت، وجميعها تستثمر بقوة في مجال الذكاء الاصطناعي.
- الاستثمارات في المراحل السابقة كانت تُموَّل بشكل أساسي من الأرباح والتدفقات النقدية، بينما شهدت الفصول الأخيرة اعتمادًا أكبر على الديون في تمويل الاستثمارات.
- التقييمات الحالية أصبحت أكثر عقلانية، بعدما تراجعت من مستويات قاربت 90 مرة إلى نحو 40 مرة، وهي مستويات لا تزال مقبولة في ظل النمو القوي للقطاع.
ويشير يرق إلى أن حجم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يزال ضخماً، مع توقعات بأن تصل المداخيل المرتبطة به إلى نحو تريليوني دولار قبل عام 2030، ما يرجح استمرار الزخم في هذا القطاع.
ويؤكد أنه لا يرى فقاعة حقيقية في الوقت الراهن، مرجحاً حدوث بعض التصحيحات الطبيعية وخروج الشركات التي لا تمتلك القدرة على مواصلة المنافسة، وهو ما يُعد أمراً صحياً للسوق، ويُسهم في الابتعاد عن سيناريو الفقاعة.
ويختتم حديثه بالقول:
- المخاطر قد ترتفع فقط في حال ظهور عوامل غير متوقعة أو خارجة عن المألوف.
- التخفيضات المرجحة في أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي من شأنها دعم مستويات الأرباح، ومنع تآكلها بسبب كلفة الفوائد المرتفعة، لا سيما في ظل الإيرادات المتنامية التي يُولّدها الذكاء الاصطناعي.
تأثير الذكاء الاصطناعي
يشير تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية، إلى أنه بعد عام استثمرت فيه الشركات العملاقة مئات المليارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، من المرجح أن يشكل قطاع التكنولوجيا النتائج الاقتصادية الكلية طويلة الأجل في عام 2026.
سيراقب المستثمرون عن كثب ما إذا كانت شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ستبرر تقييماتها الضخمة - بعد المكاسب القوية التي حققها سوق الأسهم في عام 2025 - وستحقق نمو الإنتاجية الذي يأمله صناع السياسات. وإذا لم يحدث ذلك، فقد تتأثر التقييمات سلباً.
على الرغم من أن الكثيرين يرون أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحله الأولى، إلا أن هناك مخاوف من أن بعض الجهات الفاعلة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمورديها وشركائها . هذه العلاقة الدائرية تُشوش الصورة المالية الحقيقية، مما يخلق نقاط ضعف قد تنهار إذا ما تراجع التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي.
بينما كان التركيز الأكبر على الذكاء الاصطناعي في عام 2025 منصباً على برامج الدردشة الآلية، قال مارك هيفيل، كبير مسؤولي الاستثمار في بنك يو بي إس، إن الإنفاق الرأسمالي في هذا القطاع يمكن أن يركز على الذكاء الاصطناعي الوكيل (الأنظمة أو "الوكلاء" الذين يمكنهم القيام بأعمال معرفية مع القليل من التوجيه البشري أو بدونه)، والذكاء الاصطناعي المادي (مثل الروبوتات والمركبات ذاتية القيادة) وفيديو الذكاء الاصطناعي.
دروس التاريخ
من جانبه، يقول خبير أسواق المال والعضو المنتدب لشركة أي دي تي للاستشارات والنظم التكنولوجية، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- قراءة دروس التاريخ المالي تكشف أن السيناريو يعيد نفسه بدقة لافتة، إذ إن الفقاعات في الأسواق المالية لا تنشأ مصادفة، بل هي نتاج دورة نفسية واقتصادية متكررة.
- هذه الدورة تبدأ عادة بظهور ابتكار حقيقي وثوري، كما هو الحال مع الذكاء الاصطناعي اليوم، أو الإنترنت والسكك الحديدية في مراحل سابقة، حيث يجذب هذا الابتكار سيولة نقدية ضخمة وحماساً جماعياً مفرطاً، يدفع المستثمرين إلى تجاهل الأساسيات المالية التقليدية، والاندفاع للشراء بناءً على توقعات نمو مبالغ فيها.
- الأسواق تتحول في هذه المرحلة إلى ساحة للمضاربة، إذ يتم شراء الأصول ليس لقيمتها الجوهرية، بل على أمل بيعها لاحقاً بسعر أعلى لمستثمر آخر.. وتستمر حالة النشوة والانفصال عن الواقع طالما ظلت الأموال رخيصة والائتمان متاحًا بسهولة، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار لمستويات لا تبررها الأرباح أو التدفقات النقدية الحقيقية.
ويشير سعيد إلى أن آلية انفجار الفقاعات تحدث عادة نتيجة تصادم حاد بين التوقعات المبالغ فيها وواقع الأسواق، وغالباً ما تبدأ الشرارة بتغير في البيئة الاقتصادية، مثل لجوء البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، ما يرفع تكلفة الاقتراض والمضاربة. كما قد تأتي الصدمة من نتائج أعمال مخيبة للآمال، تكشف أن العديد من الشركات لا تمتلك نماذج أعمال مستدامة.
ويتابع: المزاج العام للسوق ينقلب حينها من "الخوف من تفويت الفرصة" إلى "الخوف من الخسارة"، لتبدأ موجات بيع جماعي تتبخر معها السيولة بسرعة، ويجد المستثمرون الذين اعتمدوا على الاقتراض أنفسهم مجبرين على البيع لتغطية مراكزهم المالية.
هذا البيع القسري، بحسب سعيد، يخلق تأثير الدومينو الذي يدفع الأسعار للهبوط الحاد، كما حدث في فقاعة التوليب التاريخية أو أزمة الرهن العقاري العالمية عام 2008.
وعند مقارنة وضع الذكاء الاصطناعي حاليًا بفقاعة الدوت كوم عام 2000، يرى سعيد أن هناك تشابهاً واضحاً في هيكلية السوق، حيث يتم ضخ مئات المليارات من الدولارات سنوياً في البنية التحتية، مثل مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية المتقدمة، دون ضمانات كافية بأن العوائد من التطبيقات النهائية ستغطي هذه التكاليف في الأجل القريب. ويوضح أن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان تجربة شركات الألياف الضوئية التي بالغت في التوسع قبل وجود طلب فعلي مستدام.
ويبيّن أن الشركات التي تبيع أدوات "التنقيب" التكنولوجي -على حد وصفه- وعلى رأسها شركات تصنيع الرقائق، تحقق أرباحاً استثنائية حاليًا، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال تشبع السوق أو عجز الشركات المستهلكة لهذه التقنيات عن تحقيق العوائد المرجوة، ما قد يؤدي إلى صدمة في الطلب وإعادة تقييم حادة للأسعار، خصوصًا للأسهم التي تعتمد على سرديات نمو مستقبلي غير محدودة.
ويختتم سعيد بالإشارة إلى أن:
- التوقعات ترجّح أن يكون عام 2026 نقطة مفصلية لإعادة اختبار هذه التقييمات، حيث ستُجبر الشركات على إثبات جدوى استثماراتها الضخمة بالأرقام الفعلية لا بالوعود.
- في حال الفشل، قد تشهد الأسواق تصحيحاً قاسياً يعيد الأسعار إلى مستويات أكثر واقعية.
- هذا التصحيح، رغم حدّته، يُعد عملية صحية لتنقية السوق من الشركات الهشة والمضاربات الزائدة.
- التكنولوجيا نفسها قد تستمر وتغيّر العالم وتخلق قيمة طويلة الأمد، كما فعل الإنترنت، لكن أسعار الأسهم المبنية على الأحلام وحدها غالبًا ما تنتهي بانهيار، قبل أن يعود السوق للنمو مجددًا على أسس أكثر صلابة وواقعية.







