الإمارات تُعيد تصميم خدماتها المالية بالذكاء الاصطناعي
09:34 - 01 أكتوبر 2026
تُظهر المبادرات المتتالية لتحديث المنظومة المالية الحكومية في دولة الإمارات أن التحول الرقمي لم يعد خياراً تشغيلياً لتقليص المعاملات فحسب، بل أضحى محركاً استراتيجياً يُعيد هيكلة إدارة المالية العامة ورفع كفاءة الإنفاق.
وفي هذا السياق، يأتي إدراج تقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد ضمن الدورة الثالثة لبرنامج تصفير البيروقراطية ليعكس الانتقال نحو خدمات مالية استباقية وذاتية التنفيذ، تختصر الوقت والجهد وتوفر التكاليف .
هذا المسار المتسارع يفتح الباب أمام قراءة أعمق لأثر التكنولوجيا على مستقبل الاقتصاد الوطني، ومدى قدرة التوظيف الآمن للذكاء الاصطناعي المساعد على إعادة تعريف معايير الكفاءة الحكومية، وهو ما يطرح تساؤلات محورية حول ما إذا كانت دولة الإمارات تقود تحول الإدارة المالية عالمياً عبر الذكاء الاصطناعي المساعد، وكيف يُسهم التصفير الرقمي للبيروقراطية في تعزيز تنافسية المنظومة المالية ورسم نموذج عالمي يُقتدى به في أتمتة الخدمات الحكومية.
إعادة هندسة الإجراءات وتسهيل المعاملات
وتدخل الإدارة المالية الحكومية في دولة الإمارات مرحلة جديدة من الكفاءة التشغيلية والابتكار المؤسسي، حيث تشهد المنظومة المالية تحولاً نوعياً يعتمد على إعادة هندسة الإجراءات وتسهيل المعاملات، ويأتي تنظيم وزارة المالية لـ "مجلس المتعاملين" ضمن الدورة الثالثة لبرنامج تصفير البيروقراطية ليؤكد هذا التوجه، من خلال استعراض الإنجازات المحققة خلال عامي 2024 و2025، واختبار التوظيف المباشر والمسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد لتقديم حلول عملية تُختبر كفاءتها قبل الاعتماد التام، بحسب تقرير لوكالة أنباء الإمارات (وام).
وأوضح التقرير أن هذه الخطوات تأتي استناداً إلى توجيهات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، للانتقال من مجرد تقليص المستندات والإجراءات إلى تطوير الخدمات بصورة استباقية.
تطبيقات عملية في ستة مجالات رئيسية
وأشار التقرير إلى أن الجلسات التفاعلية للمجلس شهدت استكشاف التطبيقات الفعلية لتوظيف الذكاء الاصطناعي المساعد في ستة مجالات رئيسية شملت: إعداد الميزانية، نقل المخصصات المالية، طلبات فرض أو تعديل الرسوم الاتحادية، إجراءات رواتب الموظفين، المشتريات الحكومية، ودورة إعداد الحساب الختامي. وركزت النقاشات على تحديد المهام المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمدخلات المطلوبة، ومراحل التحقق لضمان حوكمة الأداء الرقمي الاستباقي والآمن.
وأتاح المجلس للمتعاملين والشركاء الاستراتيجيين اختبار التصورات المقترحة وتقديم الملاحظات الميدانية لضمان تطوير حلول مرنة تستند إلى الاحتياجات الفعلية. وتُشكل التوصيات النهائية للمجلس خارطة طريق للفرق التنفيذية بالوزارة لإعادة تصميم الخدمات الرقمية الذكية، بما يخدم محاور رؤية "نحن الإمارات 2031" ويحقق تصفير 100% من الإجراءات غير الضرورية لتعزيز النمو الاقتصادي وتنافسية بيئة الأعمال.
ونقلت "وام" عن فاطمة يوسف النقبي، وكيل وزارة المالية المساعد لقطاع الخدمات المساندة بالإنابة، تأكيدها أن الدورة الثالثة تمثل محطة جديدة لتعزيز كفاءة المنظومة المالية، استناداً إلى التوجيهات الحكومية بالانتقال من تقليص المستندات إلى تطوير الخدمات بصورة استباقية. وأوضحت النقبي أن الوزارة تؤمن بأن التطوير الحقيقي ينطلق من التجربة اليومية للمتعامل والموظف، مشددةً على الحرص على التوظيف المباشر والمسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد مع الحفاظ على أعلى مستويات الحوكمة.
محرك استراتيجي لتنافسية الأعمال
في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أكد الخبير الاقتصادي حسين القمزي أن ما تفعله الإمارات اليوم في هذا المجال هو ليس مجرد رقمنة للخدمات الحكومية بل هو إعادة تصميم طريقة عمل الإدارة المالية نفسها. وهذا هو العنصر الأهم في المبادرة الأخيرة لوزارة المالية، وأوضح أن التركيز على ستة محاور مالية حيوية يُجسد نهجاً مرحلياً مدروساً يعتمد على التحقق والحوكمة الدقيقة مما يضمن أعلى مستويات الكفاءة والجاهزية التشغيلية.
وأشار القمزي إلى الفارق الجوهري بين "رقمنة الإجراءات" و"تصفير البيروقراطية"، حيث تتجاوز المبادرة الإماراتية مجرد تحويل المعاملات إلكترونياً للوصول إلى تكامل المنظومات الحكومية وتبادل البيانات لحظياً، فتصبح الخدمات استباقية وذاتية التنفيذ دون إرهاق المتعامل. ويضيف الذكاء الاصطناعي قيمة نوعية عبر تحليل أنماط الإنفاق واقتراح المخصصات وتدقيق المشتريات والحسابات الختامية برؤية تحليلية متقدمة.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن هذا التحول يُعد محركاً رئيسياً للتنافسية الاقتصادية؛ إذ يُسهم خفض زمن المعاملات وتكلفتها في تحرير رأس المال وجعل البيئة الاستثمارية أكثر مرونة وقابلية للتنبؤ.
واستطرد الخبير الاقتصادي القمزي بالقول: " إن الإمارات تميزت عالمياً بنقل الحلول الاستباقية مباشرة إلى عمق العمليات المالية والحسابية المعقدة، مع اعتماد نموذج الذكاء الاصطناعي المساعد الذي يدمج بين سرعة الحلول التقنية ودقة الرقابة، لتتحول الدولة من تقديم نموذج ملهم إلى صياغة معيار دولي قياسي للحكومات المبتكرة.
نموذج إماراتي بمعايير دولية
بدوره، أكد عاصم جلال استشاري العلوم الادارية وتكنولوجيا المعلومات في" G&K " في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن دولة الإمارات تمضي بثبات نحو قيادة تحول الإدارة المالية الحكومية عبر الذكاء الاصطناعي المساعد، مشيراً إلى أن مجلس المتعاملين الذي نظمته وزارة المالية ضمن الدورة الثالثة لبرنامج تصفير البيروقراطية يعكس انتقالاً عملياً إلى إعادة هندسة الخدمات المالية فعلياً. وقال:" إن اللافت هو اختيار الوزارة لقلب العمل المالي ميداناً للتطبيق".
وأضاف جلال أن التصفير الرقمي للبيروقراطية يعزز تنافسية المنظومة المالية لأنه يغيّر فلسفة العمل لا أدواته فقط، لافتاً إلى أن المرحلة الجديدة تستهدف تحويل الإجراءات إلى عمليات استباقية وذاتية التنفيذ تختصر الوقت والجهد. وأكد أن الخدمة الاستباقية تخفض كلفة التعامل مع الحكومة على الشركات والجهات، وهو عامل حاسم في جذب الاستثمار، مبيناً أن ذلك يستند إلى أرضية صلبة من الإنجازات المتحققة في عامي 2024 و2025.
كما أوضح جلال أن دولة الإمارات مؤهلة لتصبح نموذجاً عالمياً في أتمتة الخدمات المالية الحكومية بفضل انضباطها في التبني، إذ تركز الوزارة على تحديد المهام التي يدعمها الذكاء الاصطناعي، والبيانات المطلوبة، ومراحل المراجعة والتحقق، والضوابط اللازمة قبل الانتقال إلى التطبيق. وأشار إلى أن إشراك المتعاملين في تصميم الحلول واختبارها، وجعل الحوكمة شرطاً مسبقاً، هما ما يميز التجربة الإماراتية عن تجارب تعثرت لأنها سبقت بالتقنية قبل إعادة تصميم العملية.
واختتم استشاري العلوم الادارية وتكنولوجيا المعلومات في" G&K " جلال بأن الخطوة التالية تتمثل في نشر مؤشرات أثر قابلة للقياس، كعدد الأيام المختصرة من دورة الميزانية والإجراءات الملغاة في المشتريات، ليتحول النموذج الإماراتي من تجربة ملهمة إلى معيار دولي يُحتذى.














