لماذا يجدد ترامب رغبته في السيطرة على غرينلاند؟
10:31 - 07 يناير 2026
تتصاعد نبرة القلق داخل العواصم الأوروبية مع عودة ملف غرينلاند إلى واجهة الجدل الجيوسياسي، في ظل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على طرح فكرة السيطرة على الجزيرة القطبية، بما يتجاوز حدود التصريحات العابرة إلى اختبار فعلي لصلابة التحالفات الغربية وقدرتها على إدارة الخلافات داخل البيت الأطلسي.
تكشف التصريحات الأخيرة أن المسألة تحولت إلى معضلة أوسع داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، حيث تتداخل حسابات التضامن مع الدنمارك، والاعتبارات القانونية، والحاجة إلى الحفاظ على الدعم الأميركي في ملفات أكثر حساسية، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا وتوازنات النفوذ العالمي.
تعكس هذه الإشكالية تحوّلًا أعمق في طبيعة السياسة الأميركية تجاه الجغرافيا الاستراتيجية والموارد الحيوية، في وقت يُعاد فيه رسم خرائط النفوذ في القطب الشمالي، وسط سباق محموم بين القوى الكبرى، ما يضع أوروبا أمام اختبار صعب بين الدفاع عن مبادئ السيادة والاستقلال، والتكيف مع واقع دولي يتجه نحو مزيد من الخشونة وكسر المسلّمات.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن:
- القادة الأوروبيون انشغلوا لأشهر بمسألة كيفية الرد على رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب العبثية في الاستيلاء على غرينلاند، ولكن في الأيام الأخيرة ازداد ارتباكهم وقلقهم.
- كما أن إصرار ترامب المتكرر على سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند من حليفتها المقربة الدنمارك قد فاقم الفوضى داخل عواصم الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بشأن كيفية الرد على أمريكا بشأن قضايا جيوسياسية أخرى - بما في ذلك الهجوم الأميركي على فنزويلا ونهجها المتناقض تجاه الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
- قال مسؤول أوروبي رفيع المستوى: "إنه خط دقيق.. التضامن مع الدنمارك واضح تماماً للجميع. لكن هناك فنزويلا، حيث لا أحد يشعر بالأسف لرحيل نيكولاس مادورو، لكن ثمة مسائل قانونية. ونريد الحفاظ على دعم الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى نتيجة كريمة في أوكرانيا".
- قال مسؤول ثانٍ في الاتحاد الأوروبي: "نعرف من لم يعد من حلفاءنا.. لكننا ما زلنا نأمل أن نكون مخطئين وأن تختفي المشكلة من تلقاء نفسها"، في إشارة إلى تجاهل ترامب للتحالف عبر الأطلسي العريق وضرورة تقليل أوروبا لاعتمادها على واشنطن. "نعرف ما يجب فعله، كل ما علينا فعله هو تنفيذه".
وقد جاء الدعم للدنمارك وغرينلاند سريعاً من جيرانها في دول الشمال والبلطيق، وتبعتها دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة. لكن قليلين هم من نددوا صراحةً بالولايات المتحدة، ولم يذكر أحد ترامب بالاسم، رغم أن الرئيس الأميركي كرر قوله "نحن بحاجة إلى غرينلاند" بعد ساعات فقط من مطالبة رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن له بالكف عن توجيه التهديدات بشأن الجزيرة القطبية الشاسعة.
وقال رئيس وزراء السويد: "الدنمارك وغرينلاند وحدهما من يملكان الحق في البت في الأمور المتعلقة بهما". كما قال السير كير ستارمر، رئيس وزراء المملكة المتحدة، إنه سيقف إلى جانب الدنمارك ضد تهديد ترامب بضم غرينلاند، حيث تعرض لضغوط من خصومه السياسيين وأعضاء البرلمان على حد سواء للوقوف في وجه البيت الأبيض.
رغبة متجددة
يقول خبير العلاقات الدولية أبو بكر الديب، لموقع "قتصاد سكاي نيوز عربية":
- الرغبة المتجددة لدونالد ترامب في ضم غرينلاند لا يمكن فهمها باعتبارها نزوة شخصية أو فكرة عابرة لرجل أعمال سابق مولع بالصفقات العقارية، بل تعكس تحولًا عميقًا في العقل الاستراتيجي الأميركي، الذي بدأ يتخلى تدريجياً عن أدوات النفوذ الناعمة لصالح منطق السيطرة المباشرة على الجغرافيا الحيوية، في عالم يُعاد تشكيله بالقوة لا بالقانون.
- غرينلاند في هذا السياق لا تُعد جزيرة نائية متجمدة، بل عقدة استراتيجية مكتملة الأركان، تجمع بين الموقع الجغرافي الحساس، والموارد الطبيعية، والأمن القومي، والمستقبل التكنولوجي.
- ترامب، وإن بدا فَجاً في التعبير عن هذه الرغبة، كان الأكثر صراحة في الإفصاح عما تفكر فيه المؤسسة الأميركية منذ سنوات دون أن تعلنه بهذه المباشرة.
- الأهمية الجيوسياسية لغرينلاند تنبع أولًا من موقعها في قلب الممرات القطبية، التي يُتوقع أن تتحول خلال العقدين القادمين إلى شرايين رئيسية للتجارة العالمية مع ذوبان الجليد، ما يعني أن السيطرة عليها تمنح قدرة شبه مطلقة على مراقبة وضبط طرق بحرية قد تنافس قناة السويس وبنما، وتُحدث تحولًا جذريًا في خريطة الاقتصاد الدولي.
- غرينلاند تمثل أيضًا حاجزًا أمنيًا متقدمًا في مواجهة التمدد الروسي المتسارع في القطب الشمالي عبر القواعد العسكرية والمنشآت الرادارية، فضلًا عن الطموح الصيني المتنامي في المنطقة من خلال الاستثمارات والبحث العلمي، رغم وصف بكين لنفسها بأنها "دولة قريبة من القطب"، وهو توصيف يعكس طموحًا استراتيجيًا حقيقيًا.
ويضيف الديب أن الوجود الأميركي الحالي في غرينلاند عبر اتفاقيات مع الدنمارك لم يعد كافيًا في عالم تتآكل فيه الضمانات التقليدية، مشيرًا إلى أن السيطرة المباشرة تمنح واشنطن حرية حركة مطلقة بعيدًا عن حسابات الحلفاء وحساسيات السيادة.
كما يؤكد أن غرينلاند تمثل محورًا أساسيًا في معركة الموارد النادرة، لاحتوائها على احتياطيات ضخمة من المعادن الأرضية النادرة واليورانيوم والمعادن الاستراتيجية، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد التكنولوجي الحديث. وفي ظل الاعتماد الأميركي شبه الكامل على الصين في سلاسل توريد هذه المعادن، تصبح غرينلاند خيارًا استراتيجيًا مرتبطًا بالأمن القومي من الدرجة الأولى.
ويلفت إلى أن ترامب يوظف أيضًا فكرة ضم غرينلاند داخليًا، باعتبارها أداة رمزية لإعادة إنتاج صورة "أميركا الإمبراطورية" القادرة على التوسع والفرض، في رسالة موجهة للناخب الأميركي القَلِق من تراجع المكانة الدولية للولايات المتحدة أمام الصين وروسيا.
ويشير الديب إلى أن الموقع الجغرافي لغرينلاند يجعلها منصة مثالية للحرب التكنولوجية والفضائية، عبر نشر أنظمة إنذار مبكر ورادارات تتبع الصواريخ، وهو ما ينسجم مع توجه ترامب السابق نحو عسكرة الفضاء وإنشاء قوة الفضاء الأميركية.
ويختتم حديثه بالقول إن الطرح الفج لضم غرينلاند يخدم أيضًا استراتيجية اختبار ردود الفعل، سواء داخل أوروبا أو حلف الناتو، لقياس حدود الرفض ومدى قدرة واشنطن على التصرف كقوة فوق سيادية دون دفع ثمن حقيقي، مؤكدًا أن غرينلاند ليست الهدف بحد ذاته، بل النموذج الأول لصراعات صامتة قادمة على خرائط العالم البارد، قبل أن تتحول إلى بؤر ساخنة في نظام دولي يتجه نحو مزيد من الخشونة وكسر التابوهات.
لماذا يريد ترامب غرينلاند؟
وتحت عنوان "لماذا يريد ترامب غرينلاند؟"، يشير تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن:
- ترامب يقول إن الجزيرة حيوية للأمن القومي الأميركي وإن الدنمارك لا تنفق ما يكفي لحمايتها.
- تكتسب غرينلاند أهمية بالغة نظراً لموقعها الجيوستراتيجي. وتوجد على الجزيرة قاعدة عسكرية أميركية متخصصة في الدفاع الصاروخي.
- تقع معظم أراضي غرينلاند داخل الدائرة القطبية الشمالية، حيث تتنافس القوى العظمى على الهيمنة العسكرية والتجارية.
- سيمنح التحكم في الجزيرة واشنطن موقعاً استراتيجياً في ممر بحري هام يربط المحيط الأطلسي بالقطب الشمالي، حيث يؤدي تغير المناخ إلى ذوبان الجليد وتحويل منطقة كانت غير صالحة للملاحة إلى ساحة تنافس.
- تمتلك غرينلاند أيضاً مخزونات هائلة من المعادن الأرضية النادرة التي تُستخدم في صناعة البطاريات والهواتف المحمولة والمركبات الكهربائية وغيرها من المنتجات عالية التقنية. وتسيطر الصين حالياً على السوق العالمية لهذه المعادن.
- يقول بعض العلماء إن أجزاءً من الجرف القاري لغرينلاند قد تحتوي على رواسب هائلة من النفط والغاز. لكن حكومة غرينلاند تخلت عن طموحاتها النفطية في عام 2021، مشيرةً إلى المخاطر البيئية وعدم الجدوى التجارية.
اتخذت غرينلاند أيضاً خطوات قانونية للحد من احتمالية ممارسات التعدين المدمرة للبيئة، بما في ذلك حظر تعدين اليورانيوم عام 2021. ويمكن إلغاء هذه الإجراءات إذا سيطرت الولايات المتحدة على المنطقة.
مناورة سياسية
بدوره، يقول خبير العلاقات الدولية والاقتصادية محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- إعادة تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب اهتمامه بضم غرينلاند لا يمكن فهمها بوصفها مجرد مناورة سياسية أو شعار انتخابي، بل تمثل خطوة استراتيجية جوهرية في سياق المنافسة الجيوسياسية العالمية.
- ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض، كرر تأكيده أن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند لأمنها القومي.
- السبب الأول وراء هذا الاهتمام الأميركي يتمثل في الموقع الجيوستراتيجي الفريد للجزيرة، حيث تقع غرينلاند بين أميركا الشمالية وأوروبا، وتشكل بوابة طبيعية لمراقبة النشاط العسكري الروسي والصيني في القطب الشمالي.
- ترامب تحدث صراحة عن اقتراب السفن الحربية الروسية والصينية من المياه الإقليمية للجزيرة.
- السيطرة الأميركية عليها باتت ضرورة أمنية تهدف إلى عزل هذه التهديدات وتعزيز قدرات المراقبة والردع.
ويضيف الخفاجي أن السبب الثاني يرتبط بالموارد الطبيعية الاستراتيجية التي تمتلكها غرينلاند، موضحاً أن الجزيرة غنية بالمعادن النادرة التي تزداد أهميتها مع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، لا سيما في صناعات البطاريات والتكنولوجيا المتقدمة. ويؤكد أن هذه الموارد تمنح غرينلاند ثقلاً اقتصادياً وسياسياً متزايداً في ظل الهيمنة الصينية على سوق المعادن النادرة عالمياً.
ويتابع أن السبب الثالث يتمثل في البعد الجيوسياسي المرتبط باحتواء النفوذ الصيني والروسي، حيث يسوق ترامب فكرة ضم غرينلاند كجزء من استراتيجية أوسع لمواجهة تمدد بكين وموسكو في القطب الشمالي، خاصة مع ذوبان الجليد وفتح طرق بحرية جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي.
وفي المقابل، يشير الخفاجي إلى مجموعة من الحقائق التي يجب الالتفات إليها عند قراءة المشهد، موضحاً أن عدد سكان غرينلاند لا يتجاوز 57 ألف نسمة، وهو رقم محدود مقارنة بالأهمية الاستراتيجية الكبيرة للجزيرة بالنسبة للولايات المتحدة. ويؤكد أن استطلاعات الرأي المحلية تظهر أن نحو 85 بالمئة من السكان يعارضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، مقابل حوالي 6 بالمئة فقط يؤيدون الفكرة.
وعلى الصعيد الدولي، يقول الخفاجي إن ردود الفعل جاءت حاسمة، حيث أكد رئيس وزراء غرينلاند ومسؤولو الدنمارك وعدد من القيادات الأوروبية أن الجزيرة ليست للبيع، وأن السيادة عليها حق حصري لشعبها وفقاً للقانون الدولي. ويضيف أن الدنمارك أعلنت احتجاجها الرسمي بعد تعيين المبعوث الأميركي، ما يعكس تصاعد توتر دبلوماسي جديد بين حليفين داخل حلف شمال الأطلسي.
ويختم الخفاجي حديثه بالتأكيد على أن طرح ترامب لضم غرينلاند يعكس رؤية استراتيجية تتجاوز البعد العسكري، لتشمل الموارد الاقتصادية والتنافس مع الصين وروسيا وتعزيز موقع الولايات المتحدة في القطب الشمالي، لافتاً إلى أن رفض سكان الجزيرة والقوى الأوروبية لهذا الطرح يجعل الملف مثيراً للجدل، وقد يشكل نقطة توتر بارزة في العلاقات الدولية خلال السنوات المقبلة، لا سيما إذا تم تصعيده دبلوماسياً أكثر من كونه مجرد تصريح سياسي.







