من فنزويلا إلى أفريقيا: الاقتصاد يقود الصراع الدولي الجديد
08:40 - 07 يناير 2026يشهد العالم اليوم مرحلة حرجة من الصراعات الاقتصادية والجيوستراتيجية، تتحرك فيها القوى الكبرى نحو مواجهة مباشرة على الموارد والأسواق والنفوذ الإقليمي.
ففي عام 2025، سجل العالم نحو 190 ألف هجوم مسلح ضمن 61 نزاعاً مسلحاً، بتكلفة إجمالية بلغت 20 تريليون دولار، ما أدى إلى نزوح نحو 139 مليون شخص، أي ما يعادل مجموع سكان إيطاليا وفرنسا.
وفي هذا السياق، يمثل التدخل الأميركي في فنزويلا ضربة استراتيجية تضع واشنطن في مواجهة مباشرة مع الصين، التي استثمرت بكثافة في البرازيل وفنزويلا لتعزيز أمنها الغذائي والتكنولوجي، بينما تسعى الولايات المتحدة لإعادة تشكيل مناطق النفوذ التقليدية وفق عقيدة مونرو الجديدة.
وتتضمن المواجهة محورين أساسيين: المعادن النادرة والزراعة المكثفة، إضافة إلى الأسواق الاستهلاكية والمسارات البحرية الحيوية، في وقت تتسارع فيه التحولات في إفريقيا وأميركا اللاتينية، لتصبح ساحة تنافس محتدم بين القوى الكبرى على مستقبل الأمن الاقتصادي والغذائي العالمي.
الولايات المتحدة وتفكيك النظام العالمي
في تحليل استراتيجي معمّق، أوضح د. سمير التقي، كبير الباحثين في المجلس الأطلسي بواشنطن، خلال حديثه لبرنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، أن الولايات المتحدة شرعت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في إعادة هيكلة النظام العالمي وفق مصالحها الخاصة. وأكد التقي أن واشنطن انتهت فعليًا من دورها كحارس للنظام العولمي، بعد تفكيك اتفاقيات بريتون وودز التي كانت تحمي التجارة العالمية مقابل استخدام الدولار.
وأشار التقي إلى أن دولًا كبرى لم تعد ملتزمة بالهيمنة الأميركية، خاصة بعد سقوط الشيوعية، ما جعل الولايات المتحدة تتجه نحو بناء "فقاعة استراتيجية" في محيطها القريب، بما يعكس تحولًا جذريًا في السياسة الدولية.
فنزويلا والصدام الصيني الأميركي المباشر
أوضح التقي أن التدخل الأميركي الأخير في فنزويلا يمثل بداية صدام مباشر مع الصين، التي استثمرت بشكل كبير في المنطقة، وكذلك في البرازيل لتعويض خسائر زراعة فول الصويا نتيجة السياسات الأميركية السابقة.
ولفت إلى أن واشنطن تسعى من خلال هذه التحركات لتطبيق ما أسماه "عقيدة مونرو الجديدة"، التي تمنع أي نفوذ خارجي على أميركا اللاتينية وأميركا الوسطى.
وأكد التقي أن هذه العقيدة ترتكز على تاريخ طويل من دعم واشنطن لأنظمة فاشية وديكتاتورية في المنطقة، ثم الانسحاب بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ما يعكس رغبة أميركية مستمرة في السيطرة على الفضاء الاستراتيجي والاقتصادي للمنطقة.
المعادن النادرة وأسواق الاستهلاك
وأشار التقي إلى أن الصراع الدولي الحالي لم يعد يقتصر على النفط والغاز فحسب، بل توسع ليشمل المعادن النادرة الحيوية مثل الليثيوم والجيرمانيوم، التي تتحكم فيها الصين بنسبة تزيد على 70 بالمئة.
وأوضح أن هذه المعادن موجودة عالميًا، إلا أن نسبها منخفضة، وأن الصين استثمرت مئات المليارات في هذا المجال نتيجة غياب الاستثمار الغربي، خاصة الأميركي والأوروبي، في صناعات ملوثة وصعبة الإدارة.
وتابع التقي أن المواجهة المقبلة بين الولايات المتحدة والصين ستتركز على الأسواق الاستهلاكية، حيث تحتاج الصين لتوسيع أسواقها الداخلية لتصبح منافسًا قويًا للسوق الأميركي، مؤكدًا أن أوروبا وحدها لا تكفي لتعويض أي قيود أميركية محتملة على الصين.
الزراعة وسلة الغذاء العالمية
يؤكد التقي أن التحولات الاقتصادية الكبرى تشمل القطاع الزراعي، مشيرًا إلى التفوق الأميركي في التقنية الزراعية المكثفة، حيث تعتمد الولايات المتحدة على رأس المال الزراعي وليس على الفلاحين التقليديين، مما يزيد الكثافة الربحية للقطاع ويتيح لها التحكم في صادرات الحبوب والمنتجات الزراعية.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة بدأت إعادة الاستثمار في إفريقيا، مستهدفة مناطق مثل نيجيريا وساحل العاج، في مواجهة استثمارات صينية متزايدة تهدف للسيطرة على "السلة الغذائية" العالمية.
وأوضح أن مشاكل ديموغرافية في القارة الأفريقية، مثل ارتفاع نسب الشباب غير المتعلمين، تجعلها أرضًا محتملة لصراعات مستقبلية، بما يربط الموارد الزراعية بالقوة الاقتصادية والسياسية العالمية.
الأسواق والاستثمارات التكنولوجية
أشار التقي إلى أن المعركة المقبلة تشمل أيضًا الإنتاج التكنولوجي والموارد الاستراتيجية، حيث تهدف الولايات المتحدة إلى السيطرة على مسارات التجارة البحرية الرئيسية، مثل بحر العرب والمحيط الهندي، لضمان استمرارية وارداتها الحيوية من الصين.
وبيّن أن مواجهة واشنطن ستكون على القدرة الاستهلاكية، والإنتاج التكنولوجي، ومسارات المصالح الاقتصادية، مع الإشارة إلى أن أوروبا ستظل شريكًا ثانويًا في هذه المعادلة.
خلص التقي إلى أن التحولات الاقتصادية والسياسية الأخيرة تعكس رغبة أميركية في إعادة تشكيل التحالفات الدولية واستعادة السيطرة على الموارد والأسواق، مؤكدًا أن الصراع لن يقتصر على أميركا اللاتينية أو أفريقيا، بل سيمتد إلى جميع مناطق النفوذ العالمية.
وأضاف أن الأسئلة الأساسية تتعلق بمصادر الغذاء العالمية، والمعادن النادرة، والأسواق التكنولوجية، مؤكدًا أن مصير البشرية مرتبط بقدرة القوى الكبرى على تأمين الموارد الحيوية الضرورية للعيش.



