هل يقلب الذكاء الاصطناعي سوق العمل لصالح كبار السن؟
11:54 - 21 مايو 2026
لطالما ترسخت في الأذهان قناعة اقتصادية، مفادها أن موجات خفض الوظائف داخل الشركات، تترصد دائماً بالموظفين الأكبر سناً، إذ غالباً ما يُنظر إلى الكفاءات المخضرمة على أنها فئة ذات كلفة مالية مرتفعة وأقل قدرة على التكيف مع التحولات الرقمية، وذلك مقارنة بالأجيال الشابة التي تكون أكثر انسجاماً مع التقنيات وأدوات العمل الحديثة.
ولكن يبدو أن الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي، بدأ يُغيّر هذه المعادلة التقليدية بشكل جذري، مانحاً الكفاءات المخضرمة موقعاً أقوى في سوق العمل، وهو التوجّه الذي لم يكن مطروحاً قبل سنوات قليلة.
تبدل موازين القوى
فبحسب تقرير أعدته "بلومبرغ"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أظهر استطلاع عالمي أجرته شركة "أوليفر وايمان"، أن أكثر من 40 في المئة من الرؤساء التنفيذيين في العالم، يُخططون لتقليص الوظائف المبتدئة خلال العامين المقبلين، وتحويل تركيبة القوى العاملة لديهم نحو المناصب المتوسطة أو العليا، فيما يُخطط 17 بالمئة من الرؤساء التنفيذيين فقط لزيادة نسبة الوظائف المبتدئة، حيث تُعدّ هذه النسب معكوسة تماماً عما كانت عليه قبل عام واحد فقط.
وتستند نتائج استطلاع Oliver Wyman إلى دراسة أجرتها جامعة هارفارد، أظهرت أن الشركات التي تبنّت تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، خفّضت بشكل ملحوظ عدد الوظائف المبتدئة، في حين حافظت إلى حدّ كبير على وظائف الإدارة العليا والمناصب التي تتطلب خبرة متراكمة.
عصر الخبرة
ويعود هذا التحول إلى طبيعة المهام التي تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تنفيذها، إذ يرى خبراء سوق العمل أن الذكاء الاصطناعي لا يزال يفتقر إلى القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على الخبرة العملية والفهم التراكمي في البيئات المهنية، وهو ما بدأ يمنح أصحاب الخبرات الطويلة أفضلية متزايدة داخل سوق العمل.
ويقول المستشار والمحاضر رافين جيسوثاسان، وهو أيضاً مؤلف العديد من الكتب المتخصصة في مستقبل العمل، إن الشركات باتت تميل بشكل متزايد إلى توظيف أشخاص يمتلكون خبرة سابقة في المجالات المطلوبة، لأن ما يملكونه من خبرة متراكمة وحكمة مهنية وقدرة على التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة يجعلهم أكثر قيمة داخل بيئات العمل الحديثة.
وقد فرضت تقنيات الذكاء الاصطناعي هيكلية جديدة داخل الشركات، إذ باتت الوظائف المبتدئة أكثر عرضة للأتمتة، بينما ازدادت أهمية المهارات التي يصعب على الأنظمة الذكية تقليدها، مثل اتخاذ القرارات المعقدة، وإدارة الأزمات، وفهم السلوك البشري، والتعامل مع المواقف غير المتوقعة.
ولهذا السبب، بدأت الشركات بتركيز خططها لتوظيف الأفراد الذين يمتلكون خبرة طويلة ومعرفة تراكمية في مجالاتهم، والذين يكونون بطبيعة الحال من الفئات الأكبر سناً، في حين تراجعت أهمية الوظائف المبتدئة التي يشغلها الوافدون الجدد إلى سوق العمل.
خطر على المواهب الشابة
ولكن في المقابل، فإن التخلي عن المواهب الشابة التي تشغل الوظائف المبتدئة لصالح برمجيات الذكاء الاصطناعي ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى نقص في الكفاءات ذات الخبرة في المستقبل، وذلك وفقاً لهيلين ليس، الرئيسة العالمية للقيادة والتغيير في Oliver Wyman، التي قالت إن بناء جيل قادر على إدارة بيئات عمل تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يتطلب الاستثمار المبكر في الكفاءات الجديدة، من خلال منحها فرصة التعلم والتدرج داخل المؤسسات.
انقلاب المعادلات التقليدية
ويقول روجيه منصور وهو مدير توظيف في شركة إنتاج، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الذكاء الاصطناعي يفرز واقعاً جديداً يكسر الصورة النمطية التي سادت لعقود في سوق العمل، فتاريخياً كان يُنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها حليفاً طبيعياً للشباب والوافدين الجدد إلى سوق العمل، نظراً لمرونتهم العالية وقدرتهم على استيعاب الأدوات الجديدة، بينما كانت الكفاءات المخضرمة والعمال الأكبر سناً يواجهون شبح التهميش بدعوى بطء تكيفهم مع التقنيات الجديدة، إلا أن الخصائص التشغيلية لأنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب.
ويشرح منصور أنه في السابق كانت الأتمتة تستهدف الوظائف اليدوية والمهام الروتينية البسيطة، إلا أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، دفع الأتمتة نحو الوظائف الإدراكية والتنفيذية المبتدئة التي يشغلها عادة الوافدون الجدد إلى سوق العمل، مثل جمع البيانات، وإعداد التقارير، وإدارة المهام المتكررة، وبما أن الآلة أصبحت الآن قادرة على إنجاز هذه المهام بسرعة فائقة وبكلفة شبه معدومة، فإن الحاجة إلى الموظفين المبتدئين بدأت بالتراجع، مقابل ارتفاع الحاجة إلى أصحاب الخبرات الذين لديهم باع طويل في سوق العمل.
الشركات تعيد حساباتها
ويرى منصور أن ميل الشركات نحو تقليص الوظائف المبتدئة، وزيادة الاعتماد على المستويات الإدارية العليا والمتوسطة يعكس وعياً تشغيلياً جديداً، حيث أدركت الشركات أن تبني برمجيات الذكاء الاصطناعي دون وجود كفاءة بشرية مخضرمة تشرف عليها، وتوجّه مسارها وتكتشف أخطاءها، هو مغامرة كبرى قد تؤدي إلى كوارث إدارية ومالية، فالموظف الأكبر سناً يمتلك اليوم ميزة تنافسية مستعصية على الأتمتة، وهي التفكير الاستراتيجي والحدس المهني المبني على عقود من ممارسة العمل ومواجهة المتغيرات، حيث أن جميع هذه الميزات تخوّله التعامل مع الأخطاء التي قد تمرّ على الأنظمة الذكية.
ويعتقد منصور أن استكمال عملية التحول الجديدة داخل سوق العمل، يتطلب من المؤسسات والشركات، الاستثمار في تدريب الموظفين الأكبر سناً عبر دورات مكثفة ومستمرة في مجالات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح دمج خبراتهم التراكمية وقدراتهم على التفكير النقدي مع مهارات استخدام أدوات الـAI، مشيراً إلى أن الهدف من هذا الإجراء لا يتمثل في تحويل هؤلاء الموظفين إلى خبراء تقنيين في الذكاء الاصطناعي، بل تمكينهم توظيف التكنولوجيا الحديثة بفعالية لدعم اتخاذ القرار وتحسين الأداء داخل بيئات العمل الحديثة.
تفوق الموظف المخضرم
من جهته يقول مستشار التوظيف والموارد البشرية أحمد العبد الله، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الذكاء الاصطناعي يستطيع كتابة الأكواد البرمجية بدقة، وتحليل البيانات الضخمة في ثوان، وصياغة النصوص القانونية أو التسويقية، ولكنه يعجز تماماً عن إدارة السلوك البشري وبناء جسور الثقة في بيئات العمل وحل النزاعات المعقدة بين الموظفين، أو التعامل مع الأزمات الطارئة غير المتوقعة التي تخرج عن نطاق البيانات التي تدرب عليها، لافتاً إلى أن هذه المساحات الإنسانية الصرفة هي الميدان الحقيقي الذي يتفوق فيه الموظف المخضرم، لأن الحكمة المهنية والذكاء العاطفي لا يمكن تحميلهما عبر تحديث برمجّي، بل هما نتاج تراكم سنوات طويلة من التفاعل الإنساني والمهني.
خطر على جيل المستقبل
وبحسب العبد الله، فإنه رغم التفاؤل الحالي الذي يحيط بعودة البريق لكبار السن وإنصاف خبراتهم التراكمية، إلا أن هذا المشهد يفرض معضلة استراتيجية خطيرة قد تهدد استدامة الشركات على المدى الطويل، إذا لم يتم التعامل معها بحذر شديد، حيث أن تقليص الوظائف المبتدئة والاعتماد التام على الخوارزميات لإنجازها، يخلق انقطاعاً خطيراً في سلسلة التطور المهني، فإذا قمنا بأتمتة كافة الوظائف المبتدئة، وتخلينا عن تدريب المواهب الشابة والوافدين الجدد، فمن أين سيأتي خبراء المستقبل والمستشارون المخضرمون بعد عشرة أو عشرين عاماً؟
ويشرح العبد الله، أن الخبرة والحكمة المهنية التي يتفوق بها كبار السن اليوم لم تولد معهم، بل نمت عبر تجاربهم الأولى في الوظائف المبتدئة ومن خلال ارتكاب الأخطاء والتعلّم التدريجي، ولذلك فإن قطع هذا المسار يهدد بنضوب الكفاءات البشرية القيادية مستقبلاً، داعياً قطاع الأعمال إلى اعتماد سياسة متوازنة تجمع بين الأتمتة والاستثمار بالعنصر البشري الشاب، وذلك تجنباً لكارثة حقيقية تتمثل في وجود مؤسسات تُدار بخوارزميات ذكية لكنها تفتقر تماماً إلى قادة المستقبل.












