ما الوقت الذي تستغرقه أسعار البنزين في أميركا للانخفاض؟
10:11 - 22 أبريل 2026تتصاعد أسعار البنزين بسرعة لافتة كلما ارتفعت أسعار النفط، في مشهد يعكس ترابطاً معتاداً بين الأسواق العالمية وسلوك المستهلكين. فيما يبدو هذا الارتفاع حاداً ومباشراً، بينما يأتي الانخفاض بطيئاً ومتدرجاً، ما يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا التفاوت الزمني في حركة الأسعار.
تفسّر التقارير الاقتصادية هذا النمط بما يُعرف بمبدأ "الصواريخ والريش"، حيث ترتفع الأسعار بسرعة كالصاروخ عند زيادة التكاليف، لكنها تهبط ببطء كالريشة عند تراجعها. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها سلوك الشركات في الحفاظ على هوامش أرباحها، وتعقيدات سلاسل الإمداد، إضافة إلى التأثيرات النفسية لدى المستهلكين الذين يتفاعلون بقوة مع الزيادات أكثر من الانخفاضات.
تؤكد المعطيات الحديثة أن العوامل الجيوسياسية، مثل التوترات في مناطق إنتاج ونقل النفط، تلعب دوراً محورياً في إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة لفترات أطول. كما أن عمليات التكرير والنقل وإعادة تكوين المخزونات تجعل من انخفاض الأسعار عملية أبطأ، ما يعني أن المستهلكين قد يحتاجون إلى وقت أطول للشعور بأي تراجع ملموس في تكلفة الوقود.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أنه:
- لا تستطيع محطات الوقود مواكبة ارتفاع أسعار النفط، لذا فهي تحافظ على أسعار الوقود في المضخات أعلى قليلاً مع انخفاضها.
- مع ارتفاع أسعار النفط في الأسابيع الأخيرة إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2022، يُشكّل البعض حلقة وصلٍ أساسية بين تكلفة برميل النفط المُفرّغ من ناقلات النفط وما يدفعه المستهلكون لتعبئة سياراتهم.
- يعود جزء من السبب إلى نمط قديم في الاقتصاد السلوكي، فالشركات التي تقع في مراحل متأخرة من سلسلة توريد السلع الأساسية تواجه صعوبة في التعامل مع تقلبات الأسعار، لأن المستهلكين يكرهون دفع مبالغ إضافية فجأة.
- أما الخبر السار لمحطات الوقود، فهو أن السائقين يعتمدون في توقعاتهم لسعر البنزين على سعر الأسبوع الماضي.
ويشير التقرير إلى أن أصحاب محطات الوقود يتحملون جزءاً من الخسائر نيابةً عن المستهلكين عند ارتفاع أسعار النفط. وعند انخفاضها، يسعون جاهدين لاسترداد أموالهم، وهذا ما يفسر: لماذا ترتفع أسعار البنزين بسرعة وتستغرق وقتاً طويلاً للانخفاض؟".
فجوة التقديرات
من جانبه، يقول رئيس القسم العالمي في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة بين توقعات وزارة الطاقة التي تشير إلى إمكانية تراجع أسعار البنزين إلى أقل من 3 دولارات بعد عام 2027، وبين تصريحات دونالد ترامب التي تتوقع هبوطها إلى أقل من دولارين، يعكس فجوة واضحة بين التقديرات الواقعية والطموحات السياسية.
- الارتفاعات الحالية في أسعار البنزين، والتي دفعت متوسط سعر الجالون إلى نحو 4 دولارات، تعود بالأساس إلى صدمة الطاقة الناتجة عن التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها التوتر في مضيق هرمز، إضافة إلى التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أدى إلى اضطرابات في الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة.
ويضيف: انخفاض الأسعار عادة ما يكون أبطأ بكثير من وتيرة ارتفاعها، نظراً لأن شركات التكرير ومحطات الوقود تسعّر وفق توقعات مستقبلية وتسعى للحفاظ على هوامش ربحها، خاصة في ظل تكلفة إعادة تكوين المخزونات.
كما يشير إلى أن البنزين، بخلاف النفط الخام، يمر بمراحل معقدة تشمل التكرير والنقل وسلاسل لوجستية متعددة، ما يزيد من حساسية أسعاره لأي صدمات في السوق.
ويؤكد أن العوامل النفسية تلعب دوراً مهماً أيضاً، حيث يتفاعل المستهلك بسرعة مع الارتفاعات ويشعر بصدمة تجاهها، بينما يتقبل الانخفاضات بشكل أبطأ، في حين يميل بعض التجار إلى التريث في تمرير أي تراجع في الأسعار للحفاظ على القيمة الدولارية لمخزوناتهم.
ويختتم يرق حديثه بالإشارة إلى أن أسعار البنزين في الولايات المتحدة مرشحة للبقاء عند مستويات مرتفعة خلال الفترة المقبلة، مستبعداً تحقيق الانخفاضات الحادة التي يتم الترويج لها سياسياً، ومشيراً إلى أن أسعار الوقود ستظل عاملاً حاسماً ومفصلياً في توجهات المستهلك الأميركي.
تحرك الأسعار
وفي سياق متصل، يوضح تقرير لشبكة "سي بي إس نيوز" أن:
- سائقو السيارات في أنحاء الولايات المتحدة يواجهون انخفاضاً طفيفاً في أسعار البنزين مؤخراً، حيث تراجعت الأسعار إلى حوالي 4 دولارات للجالون. لكن الخبراء يحذرون من أن أسعار الوقود لن تعود إلى مستوياتها قبل الحرب في أي وقت قريب.
- لا يتوقع كبير الاقتصاديين في مؤسسة موديز أناليتكس، مارك زاندي، أن تنخفض الأسعار إلى أقل من 3 دولارات هذا العام.. ويقول: "في ظل أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، أتوقع أن تستقر الأسعار عند حوالي 3.50 دولار بحلول نهاية العام".
- عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران في 28 فبراير، كان متوسط سعر البنزين في البلاد 2.98 دولارًا للجالون. لكن الصراع شلّ حركة شحنات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز ذي الأهمية الاستراتيجية، ما دفع أسعار البنزين إلى مستوى قياسي بلغ 4.17 دولارًا للجالون في 9 أبريل.
وعن توقع ارتفاع أسعار الوقود لعدة أشهر، يشير التقرير إلى أن تكاليف الوقود ترتبط ارتباطاً وثيقًا بأسعار النفط، التي ارتفعت منذ بدء الحرب.
ويضيف: "بالنسبة لسائقي السيارات، ترتفع أسعار البنزين عادةً بوتيرة أسرع بكثير بعد ارتفاع أسعار النفط الخام مقارنةً بانخفاضها عند انخفاض أسعار النفط - وهو نمط يعرفه الاقتصاديون بمبدأ الصواريخ والريش".
يُقدّر زاندي أن تعافي إمدادات النفط العالمية سيستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات، بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية في الشرق الأوسط جراء الحرب. كما أنه من غير الواضح متى سيُعاد فتح مضيق هرمز بالكامل.
ونتيجة لذلك، من المرجح أن يؤدي انخفاض إمدادات النفط العالمية إلى استمرار ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة لأشهر قادمة، بحسب زاندي. وتوقع أن أسعار النفط لن تعود على الأرجح إلى مستويات ما قبل الحرب حتى بعد انتهاء النزاع، نظراً لتزايد مخاطر نقل النفط عبر المضيق.
مضيق هرمز
بدورها، تؤكد أستاذة الاقتصاد والطاقة،الدكتورة وفاء علي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن:
- حالة الحصار الاقتصادي لمضيق مضيق هرمز تمثل في جوهرها حصارًا غير مباشر لخام برنت العالمي، والذي ترتبط به الأسواق الأميركية بشكل وثيق.
- هذا الوضع، بالتزامن مع حالة "الغليان الطاقوي"، أدى إلى اتساع الفجوة السعرية نتيجة تعطل الإمدادات ووجود اختلالات فنية في سوق المشتقات النفطية بين الواقع والتوقعات.
- ارتفاع تكلفة الخام في الولايات المتحدة منذ بداية الشهر الماضي انعكس بشكل مباشر على أسعار البنزين، في ظل "التقلبات المزاجية" للأسواق.
- أدى ذلك إلى صعود سعر جالون البنزين خلال شهر واحد ليصل إلى 3.98 دولار.
وتشير إلى أنه مع كل صراع جيوسياسي، تعود التأثيرات سريعاً إلى أسواق الطاقة، حيث يظهر صداها بوضوح في محطات الوقود، رغم تسجيل الولايات المتحدة مستويات إنتاج قياسية. إلا أن الأسعار المحلية تظل متأثرة بالتطورات العالمية، في ظل تسعير الأسواق لحالة القلق والتوتر، مما يرفع علاوة المخاطر وهوامش الربحية.
وتضيف أن أسعار البنزين غالباً ما ترتفع بوتيرة سريعة لكنها تتراجع ببطء، وهو ما يعزز احتمالات استمرار بقاء سعر جالون البنزين الأميركي عند مستويات مرتفعة حتى العام المقبل، خاصة مع العوامل الموسمية التي تدعم ارتفاع الأسعار خلال فصل الصيف، إلى جانب زيادة تكاليف تشغيل المصافي.
وفي سياق متصل، تلفت إلى وجود تفاوت واضح في هيكل تسعير البنزين داخل الولايات المتحدة، حيث يصل سعر الجالون في ولاية كاليفورنيا إلى نحو 5.89 دولار، بزيادة تُقدر بنحو 21.4 بالمئة مقارنة بولاية أوكلاهوما. وأرجعت ذلك إلى اختلاف الأنظمة الضريبية واللوائح البيئية، والتي تلعب دورًا محوريًا في رسم خريطة التسعير الهيكلي للبنزين داخل السوق الأميركية.









