لماذا لم تنجح الصين في فك شفرة الرقائق الإلكترونية المتطورة؟
12:35 - 20 فبراير 2026
بعد أكثر من عقد من مساعي بكين لتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاع أشباه الموصلات، لا يزال مصنّعو الرقائق الصينيون عاجزين عن مجاراة نظرائهم العالميين، مع توقعات بأن يظل إنتاجهم من الرقائق المتطورة في عام 2026 عند مستويات أدنى بكثير مقارنة بالشركات غير الصينية وتحديداً تلك التي تحظى برضى أميركي.
ورغم أن الصين ضخت، وعلى مدى نحو عقد كامل، أكثر من 150 مليار دولار لتطوير صناعة محلية لأشباه الموصلات، إلا أن الفجوة التكنولوجية مع الغرب لا تزال قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بالرقائق فائقة التطور التي تشكّل حجر الأساس لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة.
وتسلط الفجوة بين الأموال المتدفقة إلى قطاع أشباه الموصلات في الصين، وحقيقة أن الشركات المحلية تنتج رقائق أقل مما تحتاجه البلاد، الضوء على الاختلال الموجود في هذه الصناعة، مما يفاقم المخاوف من تعثر المساعي الصينية في اللحاق بالركب العالمي.
عائق وحيد أمام الصدارة
وبحسب تقرير أعدته صحيفة "نيويورك تايمز"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإنه في يناير 2026، شهدت جامعة تسينغهوا في بكين تجمعاً رفيع المستوى حضره أبرز المديرين التنفيذيين والمؤسسين العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي في البلاد، وقد ساد جو من التفاؤل بين الحاضرين الذين أجمعت آراؤهم على أن إحدى الشركات المشاركة في الاجتماع، الذي يضم ممثلين عن تينسنت وعلي بابا وشيبو، ستتمكن قريباً من أن تتبوأ الصدارة عالمياً.
غير أن المجتمعين اصطدموا بعائق وحيد يقفُ أمام طموحاتهم، يتمثل بالحاجة إلى المزيد من أشباه الموصلات فائقة السرعة، إذ من المرجح أن تُنتج شركات تصنيع الرقائق الصينية هذا العام جزءاً ضئيلاً من الرقائق المتطورة، في حين أعلنت شركة هواوي، أنها لا تزال بحاجة إلى عامين آخرين تقريباً لتصنيع رقائق تُضاهي أداء منتجات شركة إنفيديا الأميركية.
تأخر صناعة الرقائق
في عام 2014، كانت الصين أكبر سوق لأشباه الموصلات في العالم، ولكن 90 في المئة من الرقائق التي كانت تستخدمها الشركات في البلاد كانت تُصنع خارج الصين.
ولذلك وانطلاقاً من قلقها إزاء الاعتماد المتزايد على الغرب، وافق مجلس الدولة الصيني، أعلى هيئة حاكمة في البلاد، على خطة لإنفاق مليارات الدولارات على هذا القطاع، وتعهد بأن تُصنّع الصين جميع أجزاء سلسلة توريد أشباه الموصلات محلياً بحلول عام 2030.
وبالفعل، بدأت الحكومة الصينية منذ ذلك الحين مساعيها الحثيثة لتصنيع رقائق متطورة محلياً، وأنفقَت على هذا المسعى ما يزيد عن 150 مليار دولار حتى الآن، حيث أنشأت كبرى شركات التكنولوجيا الصينية، بما فيها هواوي وعلي بابا وشركة بايت دانس المالكة لتطبيق تيك توك، أقساماً متخصصة في تصميم الرقائق. وحالياً تقوم شركات تصنيع الرقائق، التي يتعاون العديد منها مع هواوي، ببناء عشرات المصانع في الصين، وقد استقطبت هذه المصانع نخبة من المهندسين من تايوان وكوريا الجنوبية.
ولكن مهمة الصين بتحقيق الاكتفاء الذاتي في صناعة أشباه الموصلات وخصوصاً تصنيع الرقائق فائقة التطور أصبحت أكثر صعوبة في السنوات الأخيرة، فبينما تعمل الشركات الصينية على بناء سلاسل التوريد الخاصة بها لتصنيع الرقائق، يحاول المسؤولون في واشنطن عرقلة تقدمها.
ووفقاً لـ "نيويورك تايمز"، فقد استخدمت ثلاث إدارات أميركية رئاسية ضوابط التصدير لمنع الشركات الصينية من شراء الرقائق المتطورة والأدوات اللازمة لتصنيعها، خشية أن تُسهم هذه التكنولوجيا في تعزيز القوة الاقتصادية والعسكرية للصين. وقد حالت هذه القيود دون تمكّن الشركات الصينية من شراء المعدات المتطورة التي تنتجها شركة ASML الهولندية، والتي تلعب دوراً حاسماً في عملية تصنيع الرقائق.
ويُعدّ تعذّر الحصول على أجهزة ASML التي تُضاهي في حجمها حجم حافلات المدارس، أحد الأسباب الرئيسية وراء تخلف الرقائق الصينية عن مواكبة أحدث رقائق إنفيديا المتطورة، فالشركة الهولندية تصنع ما يُعرف بـ أجهزة الطباعة الضوئية المتقدمة، وهي أجهزة ضرورية لنقش الأنماط الدقيقة جداً على رقائق السيليكون. وهذه الأنماط تحدد وظيفة الرقاقة وتدفق الإلكترونيات، حيث أنه وبدون أجهزة ASML لا يمكن تصنيع رقائق حديثة ذات معمارية دقيقة وصغيرة جداً.
ويرجّح تيم فيست، مدير معهد التقدم، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، أن تنتج الشركات الصينية هذا العام أقل من 2 في المئة من رقائق الذكاء الاصطناعي التي تُنتجها الشركات الأجنبية. كما من المتوقع أن تتجاوز سعة تخزين الذاكرة المنتجة من قبل الشركات خارج الصين سبعين ضعفاً السعة التي توفرها الشركات الصينية المصنعة للرقائق.
بدوره، يشير شياومينغ لو، مدير مجموعة أوراسيا، وهي شركة استشارات وأبحاث سياسية مقرها واشنطن، إلى أنه حتى الشركة الوطنية الرائدة "هواوي" تواجه تحديات كبيرة في مجال تصنيع الرقائق المتطورة.
ومع ذلك، أكد باحثون صينيون تحقيق نتائج واعدة في ابتكار طرق لربط الرقائق ببعضها، بما يضاعف قدراتها التشغيلية ويساهم في تقليص فجوة الإنتاج التي تواجهها البلاد في قطاع المعالجات المتطورة.
تكنولوجيا لا تُشترى بالمال
ويقول الدكتور محمد توفيق وهو عضو بالمجلس الاستشاري للتحالف الدولي لتعليم سلاسل الامداد ISCEA في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن صناعة أشباه الموصلات، وخصوصاً الرقائق فائقة التطور لا تعتمد على السيولة النقدية فحسب، بل على تراكم معرفي وسلاسل توريد عالمية لا تملكها دولة بمفردها، فالمال يمكنه بناء المصانع، ولكنه لا يستطيع شراء الكيمياء الدقيقة والفيزياء المعقدة التي تتطلب آلاف التجارب الفاشلة للوصول إلى الدقة المطلوبة في تصنيع الرقائق الدقيقة، وبالتالي فإن الاختلال الهيكلي الذي تعاني منه الصين حالياً يتمثل في أن صناعة أشباه الموصلات تتطلب تراكماً خبراتياً يمتد على عشرات السنوات، مثل خبرة TSMC وIntel في هذا المجال والتي تصل إلى 50 عاماً.
لا بديل عن ASML
ويشرح توفيق أن جهاز الطباعة الضوئية (EUV) الذي تنتجه شركة ASML الهولندية والذي يدخل في عملية إنتاج الرقائق المتطورة، يُوصف بأنه "الجهاز الذي سمح للبشر بتحدي قوانين الفيزياء"، مشيراً إلى وجود أسباب تقنية تمنع الصين من استنساخه بسهولة، أبرزها أن الجهاز ليس هولندياً بالكامل، فهو يحتوي على عدسات ألمانية فائقة الدقة، ومصادر ضوء أميركية، ومكونات يابانية.
ويكشف توفيق أن الصين تحاول بناء بديل محلي لأجهزة ASML، ولكن هذا يتطلب التفوق في 10 علوم مختلفة في آن واحد، مثل البصريات، الليزر، الكيمياء، الميكانيك الدقيق، لافتاً إلى أن نقش الأنماط على رقاقة السيليكون يتطلب دقة توازي توجيه شعاع ليزر من الأرض لضرب عملة معدنية على سطح القمر، ولذلك فإنه حتى مع وجود أمهر المهندسين، فإن تصنيع المكونات التي تبني جهاز الطباعة الضوئية من ASML يحتاج إلى آلات غير موجودة داخل الصين.
إبطاء لا إقصاء
ويرى توفيق أن واشنطن نجحت في "إبطاء" الطموح الصيني وحرمانه من السيادة المطلقة، ولكنها لم تقتله تماماً، فالشركات الصينية الكبرى مثل علي بابا وتينسنت ستظل تعاني من نقص في المعالجات القوية، مما يعيق تطور نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مقارنة بالمنافسين الأميركيين، مشدداً على أن اعتراف هواوي بأنها تحتاج لعامين إضافيين لمنافسة إنفيديا يعني أن أميركا تنجح في إبقاء الصين متأخرة بمقدار "جيل أو جيلين" تكنولوجيين.
وبحسب توفيق فإن عامين من التأخر في عالم التقنية، يُعادلان قرناً كاملاً بمقاييس التنافسية، ولكن ورغم الخنق الذي تمارسه واشنطن على بكين، فإن الأخيرة نجحت في بناء مسار تكنولوجي موازٍ قد يكون مكلفاً وبطيئاً، ويتمثل بربط الرقائق ببعضها لزيادة قوتها، مشدداً على أن الصين تمتلك المال والإرادة، ولكنها تصطدم بجدار "الاحتكار المعرفي" الغربي الذي يحتاج تجاوزه إلى عقود من البحث العلمي المستقل، وليس فقط مليارات الدولارات.
فخ الاستثمار الموجّه
بدوره يقول المحلل التقني جوزيف زغيب، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الصين تواجه معضلة هيكلية تتمثل في أن نموذجها الاقتصادي، الذي يعتمد على الاستثمار الموجّه، قد يكون فعالاً في الصناعات التقليدية أو حتى في التكنولوجيا التطبيقية، لكنه أقل كفاءة في الابتكار العميق الذي يتطلب مساحة أكبر من التجارب والفشل الحر، فالرقائق المتطورة ليست مجرد منتج صناعي، بل هي نتيجة نظام بيئي عالمي قائم على حرية البحث العلمي، وتراكم المعرفة المفتوحة عبر عقود، مشدداً على أن المنافسة في هذا القطاع لا تُقاس فقط بالقدرة على التصنيع، بل بمدى السيطرة على المعايير التقنية العالمية، حيث تضع الشركات الغربية قواعد التصميم والتشغيل التي تحدد اتجاه الصناعة.
الفجوة الهيكلية
ويكشف زغيب أن صناعة الرقائق تتطور بسرعة تجعل أي تأخير بسيط يتحول إلى فجوة هيكلية يصعب ردمها، لأن المنافسين لا يقفون في مكانهم، بل ينتقلون باستمرار إلى أجيال أكثر تقدماً، لافتاً إلى أن هذا الواقع يجعل المساعي الصينية لتقليص الفجوة مع الشركات العالمية تحدياً مزدوجاً، فهي لا تحتاج فقط إلى اللحاق بالمستوى الحالي من التكنولوجيا، بل عليها أيضاً مجاراة الابتكارات القادمة، ما يضاعف حجم الاستثمارات المطلوبة ويطيل أمد الوصول إلى الاكتفاء الذاتي في صناعة الرقائق.













