الأسهم الكورية تدفع فاتورة الحرب.. ما القصة؟
09:59 - 31 مارس 2026تتكبد سوق الأسهم الكورية الجنوبية خسائر حادة تعكس عمق التأثر بالصدمات الجيوسياسية، مع دخول الحرب في الشرق الأوسط مرحلة أكثر تعقيداً، ما دفع مؤشر كوسبي إلى تسجيل تقلبات لافتة على مدار الشهر.
تواجه الشركات الكورية ضغوطاً متزايدة مع تصاعد مخاطر الطاقة، إذ يهدد إغلاق مضيق هرمز سلاسل الإمداد الحيوية، في ظل اعتماد سيول الكبير على واردات النفط والغاز من الشرق الأوسط، وهو ما يرفع كلفة الإنتاج ويغذي موجة تضخمية تضغط على هوامش الأرباح والعملة المحلية.
تعكس تحركات المستثمرين حالة من إعادة التموضع الحاد، حيث تتسارع عمليات جني الأرباح والخروج من الأصول عالية المخاطر، في وقت تتزايد فيه هشاشة السوق الكورية بفعل اعتمادها على التدفقات الأجنبية وهيمنة قطاع التكنولوجيا، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الاقتصاد العالمي وصدمات الجغرافيا السياسية.
ووفق حسابات موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فقد تراجع مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بأكثر من 15 بالمئة منذ بدء الحرب وحتى 30 مارس، ليخسر مستويات الستة آلاف نقطة إلى 5,277 نقطة، هبوطاً من 6244 نقطة المسجلة في 27 فبراير.
ويشير تقرير لـ "رويترز" إلى أن مؤشر كوسبي يعد ضحية جزئية لنجاحه السابق؛ إذ شهد ارتفاعاً حاداً قبل اندلاع النزاع، مسجلاً قفزة تجاوزت 100 بالمئة خلال العام السابق. وقد لجأ المستثمرون، الذين واجهوا حالة من عدم اليقين - وغالباً ما كانوا بحاجة إلى توفير السيولة - إلى بيع ما حققوا منه أرباحاً.
ويضيف التقرير:
- جعل الصراع توقعات الأرباح لبعض الشركات الكورية تبدو عرضة للخطر ، خاصة بعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز عملياً.
- تشير بيانات جمعية التجارة الدولية الكورية إلى أن كوريا استوردت 70 بالمئة من نفطها الخام و30 بالمئة من غازها من الشرق الأوسط في عام 2025.
- ولا يزال مزيج الطاقة في البلاد يميل بشدة نحو الوقود الأحفوري: 37 بالمئة نفط، 22 بالمئة فحم، و20 بالمئة غاز طبيعي، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.
دعا الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ يوم الثلاثاء إلى حملة وطنية لتوفير الطاقة ، مطالباً أكبر 50 شركة مستهلكة للنفط بخفض استهلاكها.
ويضيف التقرير: لا يمكن تجاهل المخاطر الجسيمة. فمن شأن انقطاع الطاقة لفترة طويلة أن يرفع تكاليف الإنتاج في البلاد، ويزيد التضخم، ويضغط على هوامش أرباح الشركات. وقد زاد انخفاض قيمة الوون الكوري من حدة هذه الضغوط، إذ تراجع بشكل حاد منذ بدء الحرب، مما يهدد بخروج رؤوس الأموال إذا استمر هذا التراجع.
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه المخاطر، فإن العديد من نقاط القوة الأساسية التي عززت الأسهم الكورية قبل الحرب لا تزال قائمة ويمكن أن تظهر مجدداً في وعي المستثمرين بمجرد انحسار الصراع، وفق التقرير.
حساسية تجاه الحروب
من جانبه، يؤكد كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن:
- الأسهم الكورية تُظهر حساسية أعلى تجاه الحروب والتوترات الجيوسياسية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، مقارنة بالعديد من الأسواق العالمية، وذلك بسبب مجموعة من العوامل الهيكلية المتداخلة.
- الاقتصاد الكوري يُعد من أكثر الاقتصادات انفتاحاً على التجارة العالمية، حيث تعتمد شركات كبرى مثل سامسونغ وهيونداي بشكل كبير على التصدير، ما يجعل أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو تراجع في الطلب العالمي ينعكس مباشرة على أرباح الشركات وأداء سوق الأسهم.
- هيمنة قطاع التكنولوجيا، وبالتحديد أشباه الموصلات، على السوق الكورية تزيد من حدة هذا التأثر، نظراً لطبيعة هذا القطاع الدورية وارتباطه الوثيق بالنمو الاقتصادي العالمي، إلى جانب اعتماده على سلاسل إنتاج دولية معقدة تجعله أكثر عرضة للصدمات.
ويشير صليبي إلى أن اعتماد كوريا الجنوبية الكبير على واردات الطاقة، خصوصاً النفط والغاز، يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الطاقة في أوقات الأزمات، وهو ما يؤدي إلى تآكل هوامش أرباح الشركات وارتفاع تكاليف الإنتاج.
كما يلفت إلى أن العامل الجيوسياسي يلعب دوراً إضافياً؛ إذ تبقى كوريا الجنوبية تحت تهديد دائم نتيجة التوترات مع كوريا الشمالية، ما يرفع من علاوة المخاطر في السوق الكوري مقارنة بنظرائه.
ويختتم صليبي بالإشارة إلى أن السوق الكورية تعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، والتي تميل عادة إلى الانسحاب سريعاً من الأسواق ذات المخاطر المرتفعة عند تصاعد التوترات الجيوسياسية، ما يفاقم من وتيرة التراجعات في السوق.
التضخم
ونقل تقرير سابق لصحيفة "فايننشال تايمز" عن استراتيجي الأسهم في شركة CLSA،جونغمين شيم، قوله: "بالنظر إلى أن كوريا مستورد كبير للنفط، فإن ارتفاع أسعار النفط سيكون له تأثير مقلق على الاقتصاد الكلي للبلاد بما في ذلك التضخم وأسعار الصرف والنمو".
وقال رئيس استراتيجية الأسهم والمشتقات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك بي إن بي باريبا،جيسون لوي: "يحاول المستثمرون جني الأرباح من أحد أفضل الأسواق أداءً حتى الآن هذا العام"، مشيرًا إلى أن البعض كان يتوقع "سيناريو اضطراب أكثر حدة".
الأكثر تأثراً
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي، أنور القاسم، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- ليس من المستغرب أن تكون الأسهم الكورية من بين الأكثر سيولة في قطاعات التكنولوجيا والصناعات والكيماويات والسلع الاستهلاكية، وهو ما جعلها في الوقت ذاته الأكثر تضرراً من تداعيات الحرب الحالية.
- الحرب حوّلت سوق الأسهم الكورية الجنوبية إلى واحدة من أكثر الأسواق تقلباً في آسيا.
- هناك حالة من الذعر الحقيقي بين المستثمرين، مع تصاعد المخاوف من انهيار القيمة السوقية في حال استمرار الصراع لفترة طويلة.
- كوريا الجنوبية تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، وهي إمدادات تمر في معظمها عبر مضيق هرمز الذي يشهد إغلاقاً بسبب الحرب.
- هذا الإغلاق من شأنه أن يؤدي إلى انقطاع طويل في إمدادات الطاقة، ما سينعكس في ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتفاقم معدلات التضخم، وتقليص هوامش أرباح الشركات.
ويشير إلى أن هذه التطورات بدأت بالفعل في الضغط على العملة الكورية، حيث شهد الوون تقلبات منذ بداية الحرب.
ويخشى المحللون من مزيد من الضغط على الوون، حيث وعدت سيول باستثمار 350 مليار دولار في الولايات المتحدة كجزء من اتفاقها التجاري مع واشنطن الذي يهدف إلى خفض الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة.
ويختتم القاسم حديثه بالتأكيد على أن مسار الحرب لا يزال غير واضح، محذراً من أن صدمة طاقة ممتدة قد تقلب التوقعات الاقتصادية لكوريا الجنوبية رأسًا على عقب.











