مصر تغرق في الذهب: مشتريات بـ7 مليارات دولار تهز السوق!
13:02 - 11 فبراير 2026
تشهد سوق الذهب في مصر موجة إقبال استثنائية مدفوعة بمزيج من العوامل النقدية والاستثمارية، انعكست في أرقام لافتة خلال العام الماضي وبداية العام الجاري. فقد بلغت مشتريات المصريين من الذهب نحو 45 طناً بمتوسط قيمة قدره 7 مليارات دولار، فيما سجلت المتاجر خلال أول 40 يوماً من هذا العام طلباً كثيفاً اضطر معه بعض المشترين إلى الانتظار لأسبوعين للحصول على السبائك المطلوبة.
وفي عام 2025 وصلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية إلى 26.1 طناً، مع ارتفاع بنسبة 60% في يناير الماضي، إلى جانب 21.5 طناً من المجوهرات الذهبية. ويأتي هذا الزخم رغم ارتفاع الأسعار، مدعوماً بتوافر السيولة عقب استحقاقات شهادات الادخار مرتفعة العائد وتراجع الفائدة المصرفية، فضلاً عن عودة الأونصة إلى 5000 دولار وصعود غرام الذهب عيار 24 فوق 7660 جنيهاً، بالتوازي مع احتياطيات ذهب بلغت 20.7 مليار دولار بنهاية يناير الماضي.
قدّم المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة» سعيد إمبابي، خلال حديثه إلى برنامج «بزنس مع لبنى» على سكاي نيوز عربية، تشخيصاً مفصلاً لدوافع الإقبال القياسي على المعدنين النفيسين، وآليات تشكّل الأسعار، وطبيعة الفجوات بين السوق المحلي والعالمي، فضلاً عن سلوك المستثمرين والمدخرين في ظل التقلبات الحادة.
تدفّق السيولة من الشهادات إلى الذهب
أوضح إمبابي أن موجة الطلب القوي على الذهب كانت «طبيعية ومتوقعة»، وجاءت مباشرة بعد انتهاء الاستحقاقات الخاصة بشهادات الادخار التي بلغت فوائدها نحو 27%. ولفت إلى أن خسارة هذا العائد المرتفع دفعت المستثمرين والمدخرين إلى البحث عن بدائل تحقق عائداً مماثلاً أو أعلى، مشيراً إلى أن الذهب كان الخيار الأبرز بعدما سجّل خلال العام الماضي ارتفاعاً تجاوز 70% سنوياً. وأضاف أن تراجع جاذبية السوق العقارية في تلك المرحلة عزّز من توجّه السيولة نحو المعدن الأصفر، ما خلق ضغطاً استثنائياً على السوق وأدّى إلى تأخر تسليم الطلبات لأسبوعين وثلاثة في بعض الحالات.
مضاربة واستثمار وتحوط: ثلاثة دوافع متداخلة
بيّن إمبابي أن الإقبال على الذهب لم يكن مدفوعاً بهدف واحد، بل جاء نتيجة مزيج من المضاربة قصيرة الأجل، والاستثمار طويل الأمد، والتحوط. وشرح أن فئة واسعة من المتعاملين رأت إمكانية تحقيق أرباح تتراوح بين 20 و30% خلال شهرين أو ثلاثة، ما شجّع على المضاربة السريعة، خصوصاً مع انتشار السبائك ذات المصنعية المنخفضة وسهولة إعادة بيعها وتحويلها سريعاً إلى سيولة.
وأشار إمبابي إلى أن هذه الفئة شكّلت «الأغلبية العظمى»، وغالبيتها من الأفراد غير المحترفين الذين كانوا يشترون مع أي ارتفاع محدود ثم يبيعون فور تحقيق مكاسب بسيطة. وفي المقابل، تحدّث عن المدخرين الذين يستهدفون الاحتفاظ بالذهب على المدى الطويل، مقدّماً مثالاً عملياً لنموذج يقوم على شراء كمية كبيرة مطلع العام وبيع جزء صغير شهرياً لتغطية الالتزامات، مع الاحتفاظ بالباقي، بما يسمح – وفق توصيفه – بتعويض ما تم بيعه وتحقيق أرباح إضافية في نهاية الفترة.
ضغط الإنتاج لا نقص الخام
نفى إمبابي وجود أزمة في توافر الذهب الخام داخل السوق المصرية، مؤكداً أن المشكلة تمثلت في تركّز الطلب على السبائك على حساب المشغولات، وهو ما فاق الطاقة الإنتاجية للمصانع. وشرح أن المصنع الذي يستطيع إنتاج 30 كيلوغراماً يومياً، في مواجهة طلب يبلغ 60 كيلوغراماً، يضطر إلى ترحيل جزء من الطلبيات إلى اليوم التالي، ثم إلى الأسبوع التالي، ما يراكم فترات الانتظار. وشدّد على أن التأخير نتج عن حدود القدرة التصنيعية لا عن نقص في الخام.
فجوة الأسعار بين المحلي والعالمي
تطرّق إمبابي إلى ما وصفه بـ«الفجوة السعرية» التي ظهرت عندما شهدت الأسواق العالمية خسائر حادة، فيما لم يتراجع السعر المحلي بالوتيرة نفسها. وأوضح أن الفجوة تجاوزت 400 جنيه لفترة وجيزة، ثم تقلّصت إلى 200 جنيه، قبل أن تنخفض إلى نحو 100 جنيه، مؤكداً أن السوق المصرية لم تشهد انهياراً مماثلاً، بل أظهرت قدرة على «فرملة» التراجع وتوزيع الخسائر على مدى أسبوعين.
من يحدد السعر؟ معادلة تجّار الخام
في معرض حديثه عن آليات التسعير، أشار إمبابي إلى الدور المحوري لتجّار الذهب الخام، موضحاً أنهم يطرحون أسعارهم يومياً وفق تقديراتهم الخاصة، وبما ينسجم مع مصالحهم التجارية. وأكد أنه لا يمكن إرجاع القرار إلى جهة واحدة بعينها، بل إلى مجموع التجار الذين يمتلكون الخام. وانتقد ما أسماه فكرة أن «من يمتلك الخام هو من يسعّر»، معتبراً أن التسعير ينبغي أن يستند إلى حركة السعر العالمي اليومية، لا إلى اعتبارات فردية.
سلوك المستثمرين بعد التصحيحات
رأى إمبابي أن السوق شهد تطوراً في وعي المستثمرين بعد فترات التصحيح، إذ لم يعد المتعاملون يندفعون إلى البيع مع أي تراجع كما في السابق. وأوضح أن كثيرين باتوا ينظرون إلى الذهب كأصل طويل الأجل، يحتفظون به حتى مع الانخفاضات، مستندين إلى تجارب السنوات الخمس الماضية التي حقق خلالها – وفق قوله – مكاسب لمختلف الفئات، سواء في فترات الصعود أو الهبوط. وأضاف أن المضاربين بدورهم أصبحوا أكثر احترافية في اختيار نقاط البيع والشراء، مستفيدين من حركية السوق المحلية التي وصفها بأنها ملائمة لكل من المضاربين والمدخرين.
الفضة صورة مشابهة واختلال أكبر
ختم إمبابي حديثه بالإشارة إلى أن الفضة شهدت مساراً قريباً من الذهب من حيث الإقبال والتوقعات باستمرار الصعود، لافتاً إلى أن ارتفاعها خلال العام الماضي بلغ نحو 75%، بحيث إن استثمار مليون جنيه – وفق المثال الذي طرحه – كان يمكن أن يتحول إلى 1.75 مليون جنيه. غير أنه نبّه إلى أن الفجوة السعرية في الفضة أكبر من الذهب، بسبب عاملين متزامنين: محدودية الطاقة الإنتاجية، ونقص الخام نفسه داخل السوق المصرية، ما يجعل الفجوة أكثر اتساعاً.








