لماذا تتخلى إمبراطوريات الأغذية عن بعض علاماتها التجارية؟
16:08 - 13 فبراير 2026
مع تزايد معارضة المستهلكين والهيئات التنظيمية للأطعمة فائقة المعالجة، بدأ العديد من شركات الأغذية العالمية الكبرى، بتقسيم أو بيع علاماتها التجارية الشهيرة، استجابة لانحسار الطلب وتغيّر المزاج الاستهلاكي العالمي.
ففي العام 2025، قامت شركة يونيليفر بفصل قطاع الآيس كريم عن مجموعتها، ليصبح كياناً مستقلاً يحمل إسم شركة ماغنوم للآيس كريم، في خطوة تعكس إعادة تقييم لمحفظة أعمال يونيليفر. وأيضاً تخطط شركة كيوريغ دكتور بيبر للسير في المسار ذاته، عبر تنفيذ عملية فصل لعلامتيها وذلك في إطار توجه أوسع نحو تبسيط الهياكل وتعزيز التركيز التشغيلي. أما شركة كرافت هاينز التي كانت بدورها تستعد لتنفيذ عملية فصل لعلامتيها التجاريتين الرئيسيتين، عادت وأعلنت في الساعات القليلة الماضية عن تعليق هذه الخطوة في الوقت الراهن.
تقسيم العلامات مستمر
وبحسب تقرير أعدته شبكة "CNBC"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن الاتجاه نحو تقسيم العلامات التجارية الغذائية الشهيرة، لا يُتوقع أن يشهد تباطؤاً في عام 2026، والدليل على ذلك إعلان شركة جنرال ميلز منذ أيام، عن بيع علامتها التجارية "موير غلين" للطماطم العضوية، في خطوة تهدف إلى مساعدة الشركة في التركيز على علاماتها التجارية الأساسية. وفي السياق ذاته، أفادت شبكة "بلومبرغ" الأسبوع الماضي بأن نستله تستعد لبيع وحدة المياه التابعة لها، وسط تقارير تشير إلى أن العملاق السويسري يدرس أيضاً التخارج من علامة القهوة الفاخرة "بلو بوتل"، وعلاماته التجارية للفيتامينات ذات الأداء الضعيف.
رحلة تراجع المبيعات
وينبع الضغط على شركات الأغذية والمشروبات المعلبة من انخفاض الطلب، مما أدى إلى تقلص حجم مبيعات الكثير من منتجاتها. ولإنعاش أعمالها واستعادة ثقة المستثمرين، تعوّل هذه الشركات على التخلص من العلامات التجارية ذات الأداء الضعيف.
فعلى مدى أكثر من عقد، قلّ إقبال المستهلكين على شراء المواد الغذائية من الأقسام الداخلية في المتاجر، وركزوا بدلاً من ذلك على الأقسام الخارجية التي تضم المنتجات الطازجة والبروتينات. ولكن جائحة كورونا شكّلت استثناءً، حيث عاد الكثير من المستهلكين إلى العلامات التجارية التي اعتادوا عليها، إلا أن ارتفاع الأسعار والتضخم الناتج عن تقليص حجم المبيعات، مع عودة الحياة إلى طبيعتها تدريجياً، محا إلى حد كبير هذا التغيير في السلوك.
وأيضاً، لعبت التحولات التنظيمية دوراً متزايداً في الضغط على مبيعات الأغذية فائقة المعالجة خلال الفترة الأخيرة، مع تصاعد توجه الحكومات نحو تشجيع الأنماط الغذائية الأكثر صحة. ففي الولايات المتحدة، أسهم برنامج "لنجعل أميركا صحية مجدداً" الذي تبناه وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت ف. كينيدي الابن، في زيادة الضغط علىالأغذية المصنعة. كما أن انتشار أدوية GLP-1 لمكافحة داء السكري والسمنة أدى إلى فقدان بعض المستهلكين الرئيسيين لشركات الأغذية، شهيتهم للوجبات الخفيفة الحلوة والمالحة التي اعتادوا تناولها.
صعود العلامات الناشئة
وفقاً لبيتر هورسلي، الشريك في شركة "باين الاستشارية"، فقد حافظ قطاع السلع الاستهلاكية المعبأة على حصته السوقية كنسبة من إجمالي الإنفاق العام، ولكن ما حصل هو أن الشركات الكبرى بدأت بخسارة قاعدة عملائها لصالح علامات تجارية صاعدة أو منتجات "العلامات التجارية الخاصة" وهي العلامات التابعة لمتاجر التجزئة، مشيراً إلى أن تباطؤ نمو مبيعات شركات الأغذية الكبرى، دفع المستثمرين للضغط على هذه الشركات، ومطالبتها بالتركيز أكثر على منتجاتها الأساسية والتخلص مما يُسمى بالمنتجات المشتتة.
وبحسب هورسلي، فإنه قبل عام 2015 كانت قواعد اللعبة في قطاع المنتجات الاستهلاكية بسيطة إلى حد ما، على الأقل بالنسبة للشركات العالمية، حيث كانت شركة ما، تشتري شركة أخرى مشابهة لها، وتدمجها معها لتستفيد من وفورات التكاليف، وهذا ما كان يحقق نمواً جيداً في الإيرادات والأرباح.
ولكن قواعد اللعبة تغيرت الآن، وبات على عمالقة صناعة الأغذية أن يكونوا أكثر دقة في اختيار ما يستحوذون عليه وكيفية إدارة محافظهم الاستثمارية.
هل يكفي بيع العلامات الضعيفة
غير أن التوجه لتقسيم شركات الأغذية العالمية الكبرى، لا يحظى بالإجماع في أوساط الأسواق المالية، إذ يرى بعض المحللين أن تخلص تلك الشركات من علاماتها التجارية المتعثرة، لا يشكّل بالضرورة وصفة مضمونة للنجاح. وفي هذا السياق، يشير نيك مودي، المحلل لدى آر بي سي كابيتال ماركتس، إلى أن المشكلة لا تكمن في عدد العلامات التي يتم بيعها أو الاحتفاظ بها، بل في صلابة القدرات التشغيلية الأساسية للشركات نفسها. ووفقاً لمودي، فإن المضي في عمليات التفكيك دون معالجة الخلل الجوهري في نماذج الأعمال لا يعدو كونه خطوة تجميلية تهدف إلى تهدئة المستثمرين وإعطاء انطباع ظاهري بحدوث تغيير، من دون إحداث تحول حقيقي ومستدام في الأداء.
بداية مرحلة انتقالية
ويقول أخصائي صناعة وتسويق المواد الغذائية وليد جبارة، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن قيام شركات الأغذية الكبرى بالتخلي عن بعض علاماتها التجارية، هي بداية لمرحلة انتقالية ستشهدها سوق الغذاء العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة، ففي المستقبل القريب سنشهد تجزئة للأسواق بشكل متزايد، حيث ستصبح الشركات الصغيرة، قادرة على المنافسة بقوة في شرائح محددة من المنتجات، بينما ستحافظ الشركات الكبرى على مكانتها عبر التخصص في منتجات رئيسية عالية الربحية.
ويشرح جبارة أن تفكيك إمبراطوريات الأغذية الكبرى، سيسمح لكل كيان أن يركز على تطوير منتجات متوافقة مع اتجاهات محددة، مثل الأغذية النباتية، الأغذية البروتينية، المنتجات الطازجة، وهذا قد يؤدي إلى ولادة "علامات متخصصة" يمكن تجربتها في أسواق محددة قبل التوسع على نطاق عالمي، وهو تحول كبير عن النموذج القديم الذي كان يركّز على توحيد المنتجات والعمليات ضمن محفظة ضخمة.
المرونة بدل الحجم
وبحسب جبارة فإن ما يحصل اليوم في الأسواق، يجسد مفهوم "المرونة المؤسسية"، أي قدرة الشركات على إعادة توزيع الموارد بسرعة، للتكيف مع تغيّر سلوك المستهلك والبيئة التنظيمية، ففي الماضي اعتمدت الشركات على استراتيجيات التوسع الرأسي والأفقي، فكانت الاندماجات والاستحواذات تتيح نمو الإيرادات عبر توحيد العلامات التجارية تحت مظلة واحدة، أما اليوم فقد تغيرت قواعد اللعبة، إذ اصبح المستهلك أكثر وعياً بالصحة والمنتجات الطازجة، وبدأت الحكومات بفرض قيود تنظيمية أقوى، ما يجعل المحافظ المتعددة العلامات الثقيلة عبئاً على الفاعلية التشغيلية.
ووفقاً لـ جبارة ، فإن التحركات التي تقوم بها حالياً شركات الأغذية الكبرى، تأتي تطبيقاً لمفهوم "محفظة العلامات الذكية"، حيث يتم التركيز على العلامات الأكثر توافقاً مع اتجاهات السوق المستقبلية، بينما يتم التخلص من العلامات ذات الأداء المتراجع، لافتاً إلى أن هذه العملية تتضمن أيضاً إعادة هيكلة العمليات الإنتاجية وسلاسل التوريد لتصبح أكثر كفاءة، وهو ما يحقق هدفاً مزدوجاً يتمثل بتعزيز الربحية وتقليل التعقيدات التشغيلية.
كيف يحرر "بيع العلامات" الشركات الكبرى؟
من جهته يقول الكاتب والصحفي جو فرح، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إنه مع التحول العالمي نحو الأطعمة الصحية والمنتجات العضوية، أصبح نموذج الشركات العملاقة متعددة العلامات، أقل فعالية، لأنه يحد من قدرتها على الابتكار السريع، فالعلامات التجارية الكبيرة غالباً ما تواجه صعوبة في التجاوب مع توجهات استهلاكية دقيقة، مثل الطلب على منتجات محددة منخفضة السكر أو نباتية أو منخفضة الكربوهيدرات، ولذلك فإن فصل العلامات التجارية إلى كيانات صغيرة مستقلة، يعزز قدرة كل علامة على التركيز على شريحة محددة من المستهلكين.
ويشرح فرح أن الشركات الكبرى تمتلك أحياناً علامات تجارية تاريخية قوية، لكنها لا تتماشى مع الاستراتيجيات المستقبلية للربحية والنمو، ولذلك فإن بيع أو فصل هذه العلامات، يحرر الموارد المالية والبشرية، لتوجيهها نحو وحدات أكثر ربحية، ما يتيح للشركات إعادة الاستثمار في البحث والتطوير والتوسع في أسواق جديدة أو قطاعات ناشئة، لافتاً إلى أن هذه التحولات هي جزء من عملية "إعادة هندسة القيمة" للشركات الكبرى التي تقوم على إعادة توزيع الأصول، تبسيط سلاسل التوريد، وتركيز الابتكار على منتجات قابلة للتوسع.
ربحية واضحة للمستثمرين
ويكشف فرح أن سلوك المستثمرين تغيّر بشكل ملحوظ، إذ لم يعد التركيز فقط منصبّاً على أداء الشركة ككل، بل على مدى ربحية وكفاءة كل قطاع على حدة، فالمستثمرون يطالبون اليوم بمستوى أعلى من الشفافية، ويريدون أرقاماً دقيقة وسريعة تعكس الأداء الحقيقي لكل وحدة أعمال، وهو ما يفرض ضغوطاً متزايدة على الإدارات التنفيذية لتقديم نتائج واضحة على المدى القصير، ومن هنا يبرز خيار الفصل المؤسسي كأداة فعّالة، إذ يسمح بتقييم كل نشاط بشكل مستقل، سواء من حيث الإيرادات أو الهوامش أو النمو المستقبلي، لافتاً إلى أن هذا النهج لا يساعد فقط في إبراز الوحدات الأكثر ربحية، بل يسهّل أيضاً على السوق تسعير الشركة بشكل أدق، ما ينعكس عادةً بارتفاع قيمتها السوقية.














