هل طوت السندات الأميركية صفحة الفائدة المنخفضة؟
09:16 - 25 أغسطس 2026
تجاوزت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً مستوى 5 بالمئة الأسبوع الماضي للمرة الأولى منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية، في تطور يعكس التحولات العميقة التي تشهدها أسواق الدين العالمية وسط تنامي الديون الحكومية وتراجع الطلب التقليدي على السندات.
ورغم تدخل وزارة الخزانة الأميركية من خلال شراء سندات بهدف خفض العوائد، فإن تأثير الخطوة كان مؤقتاً، إذ تراجعت العوائد ليوم واحد فقط قبل أن تستأنف ارتفاعها. وجاء ذلك بالتزامن مع تجاوز الدين العام الأميركي مستوى 40 تريليون دولار، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف المتعلقة باستدامة المالية العامة للولايات المتحدة.
تحوّل في معادلة العرض والطلب
يرى محللون أن سوق السندات تدخل مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقد الماضي. ففي سنوات ما بعد الأزمة المالية العالمية، استفادت السندات من طلب قوي مصدره الحكومات الأجنبية والبنوك وصناديق التقاعد التي كانت تبحث عن ملاذات آمنة وعوائد مستقرة.
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير. فصناديق التقاعد باتت تخصص حصة أكبر من أصولها للأسهم والاستثمارات الخاصة، كما أن تباطؤ العولمة قلص حاجة العديد من الدول إلى الاحتفاظ بأصول أجنبية كبيرة لإدارة عملاتها.
في المقابل، يواصل المعروض من السندات الارتفاع مع تزايد احتياجات الحكومات إلى التمويل نتيجة شيخوخة السكان واتساع الإنفاق الاجتماعي، فضلاً عن تزايد إصدارات ديون الشركات. ويعني ذلك، وفق هذا الطرح، أن ضغوط العرض قد تدفع أسعار الفائدة طويلة الأجل إلى مستويات أعلى بصورة هيكلية.
الفائدة المنخفضة كانت استثناءً
يشير مقال لـ "أليسون شراغر"، كاتبة الرأي في وكالة بلومبرغ والزميلة البارزة في معهد مانهاتن، إلى أن البيئة التي سادت خلال العقد الماضي، حين اقتربت أسعار الفائدة من الصفر في الاقتصادات الكبرى، لم تكن الوضع الطبيعي للأسواق بقدر ما كانت مرحلة استثنائية.
فعوائد السندات طويلة الأجل تعكس عادة عاملين أساسيين: تفضيل المستثمرين للقيمة الحالية على المستقبل، وعدم اليقين المرتبط بالمدى الطويل. وهذان العاملان لم يتغيرا، ما يجعل استمرار الفائدة المنخفضة للغاية أمراً يصعب الحفاظ عليه لفترات طويلة.
ورغم أن العوائد قد تنحرف عن متوسطاتها التاريخية لسنوات أو حتى عقود، فإنها تميل في نهاية المطاف إلى العودة نحو مستويات أكثر اتساقاً مع أساسيات الاقتصاد.
الأسواق أقوى من محاولات السيطرة على العوائد
وتؤكد الكاتبة أن الحكومات والبنوك المركزية تستطيع التأثير في أسعار الفائدة قصيرة الأجل، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على العوائد طويلة الأجل التي تحددها قوى السوق بالدرجة الأولى.
ورغم إمكانية خفض العوائد مؤقتاً عبر شراء السندات أو دفع المؤسسات المالية إلى الاحتفاظ بها، فإن مثل هذه السياسات تأتي بتكاليف مرتفعة على المدى الطويل.
وتستشهد الكاتبة أليسون شراغر، بالتجربة اليابانية، حيث سعت السلطات لسنوات إلى كبح العوائد طويلة الأجل، ما أدى إلى تشوهات في الأسواق وضعف النمو الاقتصادي. ومع عودة التضخم إلى اليابان، أصبح البنك المركزي أمام خيارات أكثر صعوبة بين رفع الفائدة أو السماح بتسارع الأسعار.
خفض الديون هو الحل المستدام
بحسب المقال، فإن الوسيلة الأكثر فعالية للحفاظ على انخفاض معدلات الفائدة طويلة الأجل تتمثل في خفض مستويات الدين العام.
ويشير إلى أن هذه الحقيقة تراجعت أهميتها في النقاشات الاقتصادية خلال العقدين الماضيين، مع اعتماد الحكومات على الاقتراض واسع النطاق في ظل بيئة التمويل الرخيص.
تداعيات على الأسر والشركات
عودة الفائدة المرتفعة تحمل جوانب إيجابية لبعض المدخرين، إذ يمكن أن ترفع العوائد على الودائع والاستثمارات الآمنة، كما تجعل منتجات التقاعد أكثر جاذبية.
في المقابل، ترفع هذه البيئة تكلفة الاقتراض على الأسر والشركات. وترجح الكاتبة أن يصبح معدل الرهن العقاري عند حدود 6 بالمئة هو "الوضع الطبيعي الجديد" في الولايات المتحدة.
كما ستواجه الحكومات ضغوطاً مالية متزايدة، إذ تشكل مدفوعات الفائدة بالفعل ثالث أكبر بند إنفاق في الموازنة الفدرالية الأميركية، وقد تستحوذ على حصة أكبر إذا استمرت العوائد عند مستويات مرتفعة.
أما الشركات التي استفادت من التمويل منخفض التكلفة قبل جائحة كورونا، فقد تضطر إلى إعادة تمويل ديونها بأسعار أعلى خلال السنوات المقبلة، ما قد يضعف أوضاع بعضها المالية ويزيد مخاطر التعثر.
عودة إلى "الوضع الطبيعي"
ورغم التحديات المصاحبة لهذه المرحلة، ترى الكاتبة أن ارتفاع العوائد لا يعني بالضرورة حدوث أزمة اقتصادية أو مالية شاملة.
فقد شهدت الاقتصادات العالمية في فترات سابقة مستويات أعلى من أسعار الفائدة، واستمرت في تحقيق النمو. إلا أن الانتقال من عصر الأموال الرخيصة إلى بيئة مالية أكثر تشدداً قد يؤدي إلى إعادة تسعير الأصول وفرض انضباط أكبر على الحكومات والمستثمرين، ليقود في نهاية المطاف إلى ما تصفه الكاتبة بـ"واقع اقتصادي أكثر صدقاً".


