كيف تؤثر الحرب على تكلفة المعيشة في جميع أنحاء العالم؟
18:10 - 12 مارس 2026
تتصاعد المخاوف الدولية من تداعيات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة والطاقة في العالم، في ظل التصعيد العسكري المتسارع في المنطقة، وما يحمله ذلك من مخاطر على استقرار الأسواق العالمية.
تحذر منظمات دولية وخبراء اقتصاديون من أن أي تعطّل طويل الأمد في حركة السفن عبر المضيق قد يمتد أثره سريعاً إلى ما هو أبعد من أسواق النفط، ليطال سلاسل التوريد العالمية وتكاليف النقل والطاقة، بما ينعكس بدوره على أسعار الغذاء ومستويات المعيشة.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، يبرز مضيق هرمز بوصفه نقطة اختناق استراتيجية للاقتصاد العالمي، حيث يمكن لأي توتر جيوسياسي في هذه المنطقة الحساسة أن ينقل صدماته إلى الاقتصاد الدولي، عبر موجات تضخمية تضغط على الحكومات والمستهلكين على حد سواء.
تحذيرات
حذرت الأمم المتحدة من مخاطر جسيمة تهدد التجارة والتنمية العالميتين ، بما في ذلك ارتفاع أسعار الغذاء وتكاليف المعيشة ، في حال إغلاق مضيق هرمز.
وذكر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في تقرير صدر يوم الثلاثاء أن التصعيد العسكري المستمر في المنطقة، نتيجة للضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران ورد طهران عليها، بما أدى إلى تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم.
يمر عبر هذا الممر الضيق نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة.
ذكر التقرير أن:
- "الآثار المترتبة على ذلك تتجاوز حدود المنطقة، لتؤثر على أسواق الطاقة والنقل البحري وسلاسل التوريد العالمية".
- "ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والنقل - بما في ذلك أسعار الشحن وأسعار وقود السفن وأقساط التأمين - قد يزيد من أسعار الغذاء ويفاقم ضغوط غلاء المعيشة، لا سيما على الفئات الأكثر ضعفاً".
وبحسب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ستيفان دوجاريك، خلال المؤتمر الصحافي اليومي، فإن التحليل الاقتصادي الذي أجراه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) حول الأثر المحتمل لإغلاق مضيق هرمز يُبرز "مخاطر جسيمة على التجارة والتنمية العالميتين".
أكد تقرير الأونكتاد أن الاضطرابات في مضيق هرمز تؤكد "هشاشة" نقاط الاختناق البحرية الحيوية أمام التوترات الجيوسياسية وقدرتها على نقل الصدمات عبر سلاسل التوريد وأسواق السلع.
وأشار التقرير كذلك إلى أن الحد من المخاطر التي تهدد التجارة والتنمية العالميتين، بما في ذلك المخاطر البيئية، يتطلب خفض التصعيد وحماية النقل البحري والموانئ والبحارة، وغيرها من البنى التحتية المدنية، مع الحفاظ على ممرات تجارية آمنة بما يتماشى مع القانون الدولي وحرية الملاحة.
ووفق (الأونكتاد) فإن الآثار الاقتصادية ستعتمد على الصعيدين العالمي والإقليمي، على مدة التوترات وشدتها ونطاقها الجغرافي. ويُعد الرصد المستمر ضروريًا لتقييم المخاطر المتغيرة وآثارها المحتملة".
تداعيات التصعيد
يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- التصعيد العسكري العنيف الذي شهدته المنطقة مؤخراً أدى إلى شلل شبه كامل في حركة الملاحة داخل مضيق هرمز (..) وهو ما تسبب في صدمة فورية في قلب الاقتصاد العالمي.
- المضيق يمثل شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، وبالتالي فإن أي تعطّل فيه ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة العالمية.
- توقف الملاحة وتضرر بعض المنشآت النفطية دفع أسعار خام برنت إلى القفز بشكل حاد لتتجاوز حاجز 120 دولاراً للبرميل في ذروة التوترات قبل أن يقلص مكاسبه.
- هذه القفزات السعرية تخلق ما يُعرف اقتصادياً بـ"التضخم المدفوع بالتكلفة"، وهو نمط من التضخم يحدث نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل، ما يؤدي بدوره إلى زيادة أسعار السلع والخدمات على المستهلك النهائي.
- الضربة الثانية جاءت في قطاع الشحن والنقل البحري، حيث ارتفعت أسعار وقود السفن بشكل كبير مع تصاعد المخاطر العسكرية، كما تضاعفت رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب لتصل إلى آلاف الدولارات على الحاوية الواحدة.
- كبرى شركات الشحن اضطرت إلى تحويل مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر تكلفة، وهو ما يضيف أسابيع إلى زمن الرحلات البحرية ويزيد من استهلاك الوقود، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن البحري وانعكاس ذلك مباشرة على أسعار السلع العالمية.
ويضيف أن هذه التطورات مجتمعة تضغط بقوة على أسعار الغذاء العالمية، حيث أصبحت سلع أساسية مثل القمح والسكر والبطاطس والمعكرونة عرضة لزيادات سعرية حادة. كما سجلت الزيوت النباتية، وعلى رأسها زيت الصويا، مستويات مرتفعة نتيجة ارتباطها بأسعار الطاقة والوقود الحيوي.
ويلفت إلى أن قطاع الأغذية سريعة التلف مثل اللحوم الحمراء والمأكولات البحرية ومنتجات الألبان يواجه ضغوطاً مضاعفة، بسبب تأخر الشحنات البحرية وارتفاع تكاليف التبريد واحتمالات تلف جزء من الشحنات، إلى جانب نقص إمدادات الأعلاف الذي يضغط على مربي الدواجن والماشية ويرفع أسعار اللحوم الطازجة والمجمدة في الأسواق.
ويشير سعيد إلى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على الغذاء فقط، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين حول العالم، مع ارتفاع فواتير التدفئة والكهرباء، فضلاً عن زيادة تكاليف التعبئة والتغليف المرتبطة بارتفاع أسعار البلاستيك والزجاج المعتمدين على المشتقات النفطية.
ويوضح أن هذه التطورات تضع البنوك المركزية في موقف معقد، إذ كانت تسعى إلى خفض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي، لكن موجة التضخم الجديدة تعيد المخاوف من الدخول في سيناريو الركود التضخمي، الذي يجمع بين تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع الأسعار في الوقت نفسه.
ويختتم سعيد حديثه بالتأكيد على أن:
- تداعيات الأزمة تطال جميع مناطق العالم، وإن بدرجات متفاوتة، مشيراً إلى أن آسيا التي تعتمد بشكل كبير على نفط المضيق، وأوروبا التي تستورد جزءاً مهماً من الغاز الخليجي، ستكونان في موقف صعب.
- الاقتصادات الناشئة والدول المستوردة للغذاء والطاقة ستكون الأكثر تضرراً، خاصة في ظل الضغوط المرتبطة بالديون وضعف العملات المحلية وتآكل احتياطيات النقد الأجنبي.
- استمرار إغلاق المضيق لأسابيع إضافية قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل، ما قد يفتح الباب أمام أزمة أمن غذائي عالمية وموجة تضخم حادة تتجاوز ما شهده العالم بعد أزمة عام 2022.
الاقتصاد العالمي
ويشير تقرير لصحيفة "الغارديان" إلى أن صدمة التضخم الناجمة عن الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران قد تؤدي إلى تدمير الانتعاش الاقتصادي العالمي الهش الذي كان من المتوقع أن يكتسب زخماً هذا العام.
مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، على الرغم من تعهد دونالد ترامب بحماية ناقلات النفط التي تشق طريقها عبر مضيق هرمز الحيوي للملاحة، حذر محافظو البنوك المركزية والاقتصاديون من أن الصراع المطول قد يؤدي إلى زيادة أسعار التجزئة في جميع أنحاء العالم ويجبرهم على إلغاء توقعات النمو لهذا العام.
وقالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغيفا، يوم الجمعة، إن زيادة أسعار الطاقة بنسبة 10 بالمئة التي تستمر لمدة عام ستؤدي إلى ارتفاع التضخم العالمي بمقدار 40 نقطة أساس وإبطاء النمو الاقتصادي العالمي بنسبة 0.1-0.2 بالمئة.
اضطرابات
يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الاضطرابات في مضيق هرمز تُعد من أخطر العوامل القادرة على دفع أسعار الغذاء وتكاليف المعيشة إلى الارتفاع عالمياً، نظراً للأهمية الاستراتيجية لهذا الممر البحري الذي يمثل شرياناً رئيسياً للاقتصاد العالمي.
- المضيق يمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، وما بين 20 إلى 30 بالمئة من إمدادات النفط والغاز المنقولة بحراً، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية لأي اضطراب اقتصادي عالمي.
- أي تعطّل في الملاحة عبر المضيق ينعكس فوراً على أسعار الطاقة.. الأسواق شهدت بالفعل ارتفاعاً في أسعار النفط بشكل ملحوظ منذ بداية التصعيد الأخير، حيث لامست الأسعار في بعض الفترات مستوى 120 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع لاحقاً.
- هذا الارتفاع ينعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل والشحن، إذ تعتمد سلاسل الإمداد العالمية بشكل كبير على الوقود، ما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع الأساسية وعلى رأسها المواد الغذائية.
ويشدد على أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على قطاع الطاقة والنقل فقط، بل تمتد أيضاً إلى مدخلات الإنتاج الزراعي، موضحاً أن دول المنطقة تعد من أبرز موردي الأسمدة النيتروجينية في العالم، وهي عنصر أساسي لما يقارب نصف الإنتاج الغذائي العالمي. ومع تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز ارتفعت أسعار بعض الأسمدة بالفعل.
ويُبين الخفاجي أن هذه التطورات تترجم إلى ضغوط تضخمية مباشرة على المستهلكين، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف النقل والإنتاج الغذائي، إضافة إلى ارتفاع أسعار الأسمدة وما يترتب عليه من زيادة تكاليف الزراعة وانخفاض الإنتاج، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى زيادة أسعار السلع المستوردة.
ويحذر من أن استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز قد يخلق موجة تضخم غذائي عالمية شبيهة بما حدث عقب الحرب في أوكرانيا، وربما أشد تأثيراً إذا طال أمد الأزمة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة والضغط على ميزانيات الأسر في أوروبا والشرق الأوسط والدول النامية على حد سواء.
ويختتم حديثه قائلاً إن أي توتر طويل الأمد في مضيق هرمز لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل يفتح سلسلة من التفاعلات الاقتصادية المتشابكة تمتد من الطاقة إلى الزراعة والنقل، لتنتهي في نهاية المطاف عند المستهلك العادي عبر ارتفاع أسعار الغذاء وتكاليف الحياة اليومية.






