وحش الديون العالمي.. هل يقترب العالم من "حلقة الهلاك"؟
13:34 - 08 سبتمبر 2026
خلقت حكومات العالم ما يمكن وصفه بـ"وحش مالي" تتجاوز كلفته تريليوني دولار سنوياً، يتمثل في أعباء خدمة الديون السيادية التي تستهلك جزءاً متزايداً من الإيرادات الضريبية، وتفرض ضغوطاً متنامية على صناع القرار المنتخبين، بحسب تقرير على صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية.
ففي المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، بات الإنفاق على فوائد الدين العام يفوق الإنفاق على الدفاع، وهو واقع يتكرر أيضاً في أكثر من اثنتي عشرة دولة من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
وتكمن المشكلة في أن تكاليف الاقتراض ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين، بالتزامن مع تسجيل مستويات قياسية من الديون الحكومية.
فقد تجاوز إجمالي الدين الفيدرالي الأميركي حاجز الـ 40 تريليون دولار الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى على الإطلاق.
عبء ديون بقيمة تريليوني دولار يضغط على الحكومات
كما يُتوقع أن تقترض دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مجتمعة نحو 18 تريليون دولار خلال العام الجاري، فيما تجاوزت فاتورة خدمة ديونها تريليوني دولار في عام 2025، بما يعادل 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ومن المرجح أن تتفاقم هذه الأعباء خلال السنوات المقبلة نتيجة موجة بيع السندات التي بدأت منذ أزمة كورونا، وأدت إلى ارتفاع العوائد وبالتالي زيادة كلفة تمويل الحكومات حول العالم.
ويقول مايك ريدل، مدير صناديق في "فيديلتي إنترناشيونال" لصحيفة فاينانشال تايمز: "هذه الديون السيادية الضخمة تحتاج إلى إعادة تمويل بمعدلات فائدة تتزايد باستمرار. المستثمرون العالميون بدأوا بالفعل يشعرون بالقلق".
العوائد ترتفع.. والضغوط تتزايد
ساهمت موجة التراجع الحادة في أسواق السندات العالمية خلال الصيف في تعزيز الارتفاع الذي بدأ بعد الجائحة، مدفوعاً بموجات التضخم وارتفاع الاقتراض الحكومي وإنهاء برامج التيسير الكمي التي تبنتها البنوك المركزية لسنوات.
ووصل متوسط عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات في دول مجموعة السبع إلى 4 بالمئة للمرة الأولى منذ عام 2008، وسط مخاوف من الآثار التضخمية للحرب مع إيران، إضافة إلى الارتفاع الكبير في الطلب على التمويل من الحكومات والشركات، خصوصاً شركات التكنولوجيا.
ويرى بعض الاقتصاديين أن ارتفاع العوائد الأميركية يعكس أيضاً تحسن توقعات النمو الاقتصادي، ما يعني أن أسعار الفائدة قد لا تحتاج إلى العودة لمستوياتها المتدنية السابقة.
ولو تحقق تحول جذري في النمو الاقتصادي، فقد يشكل ذلك متنفساً للعديد من الحكومات، من خلال زيادة الإيرادات الضريبية وجعل مستويات الدين أكثر قابلية للإدارة، وتقليص المفاضلة بين الإنفاق على الفوائد وبقية أولويات الإنفاق العام. لكن الصورة الحالية تبدو مختلفة تماماً.
بريطانيا وفرنسا تدفعان الثمن
في الاقتصادات الكبرى المثقلة بالديون وضعف النمو، مثل بريطانيا وفرنسا، أصبحت تكاليف خدمة الدين عاملاً حاسماً في إدارة المالية العامة.
ففي بريطانيا، ساهم الارتفاع الحاد في عوائد السندات عام 2022 في الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة ليز تراس بعد إعلانها موازنة تضمنت تخفيضات ضريبية غير ممولة.
واليوم، أصبحت العوائد أعلى مما كانت عليه آنذاك، فيما بلغت مدفوعات الفائدة السنوية للدين البريطاني نحو 110 مليارات جنيه إسترليني.
أما فرنسا، فقد شهدت تعاقب ثلاثة رؤساء وزراء منذ الانتخابات البرلمانية لعام 2024، في ظل الضغوط المالية المتزايدة المرتبطة بارتفاع تكلفة خدمة الدين.
وأمام هذا الواقع، يجد السياسيون أنفسهم أمام خيارين صعبين: إما رفع الضرائب أو تقليص حجم الدولة والإنفاق الحكومي.
كما أن ضخامة فاتورة الفوائد تجعل من الصعب زيادة الإنفاق على أولويات استراتيجية مثل الدفاع وأمن الطاقة.
وقال وزير المالية البريطاني جون هيلي: "لو كانت فوائد الدين وزارة مستقلة، لأصبحت ثاني أكبر وزارة في وايتهول بعد الصحة، وأكبر من الدفاع والداخلية والعدل مجتمعة. ليس هناك شيء تقدمي في إنفاق جنيه واحد من كل عشرة جنيهات على فوائد الدين".
لماذا ترتفع العوائد؟
قبل الأزمة المالية العالمية في 2008، كانت أسعار الفائدة أعلى نسبياً، لكن مستويات الدين كانت أقل بكثير.
بعد الأزمة، ارتفعت الديون بشكل حاد، لكن البنوك المركزية حافظت على انخفاض تكاليف الاقتراض عبر برامج التحفيز النقدي والنمو الضعيف.
أما اليوم، فتواجه الحكومات مزيجاً صعباً: ديون قياسية وأسعار فائدة مرتفعة.
ورغم استمرار وجود طلب على السندات الحكومية، فإن المستثمرين باتوا يطالبون بعوائد أعلى مقابل أموالهم، ما دفع إصدارات السندات الجديدة في الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها إلى تثبيت أعلى مستويات عائد منذ ما يقرب من عشرين عاماً على الديون طويلة الأجل.
كما أسهمت التغيرات في أنظمة التقاعد بعدد من الدول في انسحاب بعض المستثمرين التقليديين طويلَي الأجل من السوق، ليحل محلهم مستثمرون وصناديق تحوط أكثر ميلاً للمطالبة بعوائد مرتفعة.
ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن كيم كروفورد، مديرة الدخل الثابت العالمي في "جي بي مورغان لإدارة الأصول" قولها: "حقبة الأموال المجانية انتهت بالتأكيد. سوق السندات يبحث الآن عن الانضباط المالي".
ديون عالمية تقترب من 300 تريليون دولار
ويقترب إجمالي حجم الديون الحكومية وديون الشركات على مستوى العالم من حاجز 300 تريليون دولار، وفقاً لمعهد التمويل الدولي.
ويقول جيل مويك، كبير الاقتصاديين في شركة "أكسا" للتأمين لـ "فاينانشال تايمز": "هناك منافسة هائلة بين القطاعين العام والخاص على نفس المدخرات".
ويقارن مويك الوضع الحالي بفترة طفرة التكنولوجيا في مطلع الألفية، حين كانت العجوزات المالية أقل حدة بكثير.
كما تتزايد مخاوف المستثمرين بشأن قدرة الأسواق على استيعاب هذا الحجم الضخم من الإصدارات الجديدة، إلى جانب القلق من عدم استعداد الحكومات المتقدمة لكبح الاقتراض.
ففي الولايات المتحدة، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبقى العجز المالي فوق 7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي حتى ثلاثينيات القرن الحالي، رغم استقرار النمو الاقتصادي ومحدودية معدلات البطالة.
"علاوة الغباء" السياسي
يرى بعض المستثمرين أن الاضطرابات السياسية رفعت تكاليف الاقتراض فوق المستويات التي كانت ستسجلها في الظروف الطبيعية، فيما يُعرف أحياناً بـ"علاوة الغباء".
وتقدر شركة "أليانز" أن الهشاشة السياسية منذ عام 2022 أضافت نحو 100 مليار يورو إلى مدفوعات الفائدة في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا.
كما تشكل اليابان عاملاً إضافياً يقلق الأسواق، بعدما بدأت برفع أسعار الفائدة بالتزامن مع تبني الحكومة لسياسات إنفاق توسعية، ما يدفع المستثمرين إلى توقع عودة رؤوس الأموال إلى السوق اليابانية وارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً.
هل يقترب العالم من "حلقة الهلاك"؟
أحد أكبر المخاوف يتمثل في دخول بعض الدول في "حلقة مفرغة" يصبح فيها ارتفاع تكاليف خدمة الدين سبباً مباشراً لتفاقم أوضاع المالية العامة.
فكلما زادت مدفوعات الفوائد، ارتفع العجز وازداد الدين، ما يدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى، لترتفع تكلفة التمويل مرة أخرى.
وفي حال عدم تدخل النمو الاقتصادي أو انخفاض الفائدة لإنقاذ الوضع، لن يبقى أمام الحكومات سوى رفع الضرائب أو خفض الإنفاق.
لكن الأسواق باتت تشكك في قدرة السياسيين على اتخاذ هذه القرارات الصعبة.
ويقول نيل ميهتا، مدير المحافظ في "آر بي سي بلو باي" لصحيفة فاينانشال تايمز: "السياسيون لا يريدون اتخاذ خيارات مؤلمة لأنهم يعلمون أنهم قد يخسرون الانتخابات التالية إذا فعلوا ذلك".
كيف يمكن الخروج من أزمة الديون؟
هناك عدة مسارات محتملة للخروج من هذا المأزق. أحدها ما يُعرف بـ"القمع المالي"، أي اتخاذ إجراءات تدفع المؤسسات المحلية إلى شراء المزيد من السندات الحكومية بهدف خفض العوائد.
أما السيناريو الأكثر إيجابية، فيتمثل في تحقيق قفزة كبيرة في الإنتاجية بفضل ثورة الذكاء الاصطناعي، ما يرفع النمو الاقتصادي ويخفف عبء الديون.
إلا أن بعض الخبراء يرون أن الاعتماد على النمو وحده ليس حلاً كافياً، خصوصاً في اقتصادات مثل بريطانيا وفرنسا التي تعاني مشكلات هيكلية طويلة الأمد.
ويشير التاريخ إلى أن الحكومات غالباً ما تضطر في نهاية المطاف إلى تشديد السياسات المالية عندما ترتفع تكاليف الاقتراض بشكل كبير.
فبريطانيا نجحت بعد الحرب العالمية الثانية في خفض ديون بلغت نحو 250 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بفضل ضبط الإنفاق وتحقيق نمو اقتصادي قوي.
كما تمكنت كندا في تسعينيات القرن الماضي من معالجة عجز مالي ضخم عبر خفض الإنفاق الحكومي بصورة مؤلمة.
لكن التحدي الحالي، وفق كثير من المستثمرين، يتمثل في غياب الإرادة السياسية الكافية لمعالجة المشكلة قبل أن تتفاقم.
وتحذر تاتيانا غريل كاسترو، رئيسة الاستثمارات العالمية في "موزينيتش"، قائلة: "المشكلة أن الأسواق لا ترى إرادة سياسية حقيقية للسيطرة على الدين. وإذا لم يتم احتواؤه، فسيزداد سوءاً بمرور الوقت، وفي النهاية قد ينتهي الأمر بأزمة"، وفقا لصحيفة فاينانشال تايمز.











